شهدت التطورات الميدانية خلال الأسبوع الماضي تحولًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لصالح الجيش السوداني. فقد شن الجيش ، مدعومًا بالقوات المتحالفة معه، هجومًا واسعًا على محور طريق الصادرات، وهو أحد أهم المحاور البرية، التي تربط مدينة الأُبيض بالعاصمة الخرطوم، وتمكن من استعادة السيطرة على عدد من المدن والمناطق الاستراتيجية، أبرزها أم قرفة وأم سيالة وبارا، الأمر الذي أتاح إعادة ربط حامية الأبيض بالقيادة العسكرية في الخرطوم وإنهاء حالة العزلة النسبية، التي كانت تعاني منها المدينة خلال الأشهر الماضية. كما أصبح الجيش السوداني يمتلك محورين رئيسيين للإمداد، يتمثلان في طريق الصادرات الرابط بين الأبيض والخرطوم، وطريق الأبيض- كوستي، بالتزامن مع نجاحه في صد الهجمات المتكررة، التي شنتها قوات الدعم السريع على مدينة الرهد الواقعة على المحور الشرقي، وهو ما عزز من استقرار وضعه العملياتي في الإقليم.
ولا تكمن أهمية هذه التطورات في استعادة عدد من المدن أو إعادة فتح طريق بري فحسب، بل في أنها تعيد تشكيل البيئة العملياتية للحرب في السودان. فطريق الصادرات يمثل العمود الفقري للحركة العسكرية والاقتصادية بين وسط السودان وغربه، والسيطرة عليه تعني استعادة القدرة على نقل القوات والذخائر والوقود والإمدادات الطبية بصورة منتظمة، وتوفير حرية أكبر في المناورة وإعادة الانتشار، وتقليل الاعتماد على النقل الجوي، الذي ظل خلال الأشهر الماضية الوسيلة الأساسية للحفاظ على تماسك حامية الأبيض. كما أن امتلاك محورين للإمداد يمنح الجيش السوداني مرونة عملياتية أعلى، ويجعل من الصعب إعادة فرض الحصار على المدينة عبر استهداف طريق واحد، وهو ما يغير بصورة جوهرية معادلة الصراع في شمال كردفان.
ويكشف هذا التحول أيضًا عن انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة، لم تعد فيها السيطرة على المدن هي الهدف الأساسي، بل أصبحت السيطرة على شبكات الطرق والعقد اللوجستية، هي العامل الحاسم في تحديد ميزان القوى. فالصراع الحالي يتجه تدريجيًا إلى حرب استنزاف لوجستية، يسعى فيها كل طرف إلى قطع خطوط إمداد خصمه وتعطيل حركته أكثر من سعيه إلى تحقيق مكاسب جغرافية محدودة، وهو ما يمنح السيطرة على طريق الصادرات قيمة استراتيجية، تتجاوز حدود شمال كردفان، وتمتد إلى مجمل مسرح العمليات في غرب السودان.
هل يستطيع الجيش السوداني استثمار تفوقه؟
تمثل خسارة قوات الدعم السريع لمدينة بارا ضربة عملياتية كبيرة، إذ شكلت المدينة خلال الأشهر الماضية مركزًا لتجميع القوات وإعادة انتشارها، وعقدة مواصلات رئيسية تربط شمال كردفان بغربها، ومنصة لانطلاق الهجمات باتجاه الأبيض. إلا أن استعادة بارا لا تعني بالضرورة تثبيت السيطرة عليها بصورة نهائية، فقد شهدت المدينة خلال مراحل سابقة من النزاع تبادلًا للسيطرة بين الطرفين أكثر من مرة، وكانت استعادتها تتم بكلفة مرتفعة، قبل أن تتمكن قوات الدعم السريع من استعادتها مجددًا مستفيدة من اتساع مسرح العمليات وصعوبة تأمين المناطق المفتوحة.
كما أن معظم المناطق، التي استعيدت خلال العملية الأخيرة فقدت جزءًا كبيرًا من كثافتها السكانية؛ نتيجة الهجمات المتكررة وموجات النزوح الواسعة، الأمر الذي يقلل من قدرتها على توفير عمق اجتماعي أو قاعدة لوجستية محلية، تساعد على تثبيت السيطرة. لذلك، فإن نجاح الجيش السوداني خلال المرحلة المقبلة سيكون مرهونًا بإعطاء الأولوية لتأمين المناطق المستعادة وترسيخ السيطرة عليها قبل الانتقال إلى فتح محاور هجومية متعددة، قد تؤدي إلى تشتيت القوات واستنزاف احتياطياتها. فكل توسع جغرافي يفرض في المقابل التزامًا أكبر بحماية الطرق ونقاط الارتكاز والقوافل العسكرية، ما يجعل استدامة المكاسب أكثر أهمية من سرعة تحقيقها.
وتبرز هنا أهمية الاحتياطيات العسكرية، إذ إن قدرة الجيش السوداني على استثمار هذا النجاح تتوقف على امتلاكه قوات إضافية، تستطيع مواصلة الضغط الهجومي دون إضعاف القوات المكلفة بحماية خطوط الإمداد. وفي المقابل، لا تشير المعطيات إلى أن قوات الدعم السريع استنفدت كامل قدراتها، إذ تفيد المؤشرات، بأنها ما زالت تحتفظ بمنظومة إمداد حديثة وآليات ومدرعات، لم تشارك بصورة واضحة في معارك طريق الصادرات، وهو ما قد يعكس احتفاظها باحتياط تعبوي، يمكن الدفع به في هجوم مضاد، عندما تتوافر الظروف المناسبة.
تمتد آثار هذا التقدم إلى ما هو أبعد من مدينة الأبيض، إذ يؤثر بصورة مباشرة على خطوط الإمداد الممتدة بين كردفان ودارفور، والتي مثلت أحد أهم عناصر قوة قوات الدعم السريع طوال الحرب. وإذا تمكن الجيش السوداني من تثبيت سيطرته على طريق الصادرات وتأمين محيط بارا بصورة مستدامة، فقد يؤدي ذلك إلى تضييق حركة قوات الدعم السريع بين غرب السودان ووسطه، وزيادة الضغط على خطوطها الخلفية، وهو ما قد ينعكس على مجمل العمليات العسكرية في دارفور.
ويظل السؤال الأهم متعلقًا بالهدف الاستراتيجي للعملية. فإذا كان الهدف هو فك الحصار عن الأبيض وتأمينها، فإن العملية تكون قد حققت غايتها الأساسية. أما إذا كانت تمثل بداية حملة أوسع لاستعادة زمام المبادرة في كردفان والتقدم نحو دارفور، فإن نجاحها سيتوقف على قدرة الجيش السوداني على الحفاظ على زخمه العملياتي خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، قد تتجه قوات الدعم السريع إلى تغيير طبيعة المواجهة، بالاعتماد بصورة أكبر على الطائرات المسيّرة لاستهداف القوافل العسكرية، ومستودعات الوقود والذخيرة، والعقد اللوجستية، بدلًا من خوض معارك مباشرة لاستعادة المدن. كما أن دخول فصل الخريف قد يفرض حالة من تثبيت الجبهات؛ نتيجة تراجع قابلية الحركة على عدد من المحاور، وهو ما يجعل عامل الزمن عنصرًا حاسمًا. فالطرف الذي ينجح في ترسيخ سيطرته، قبل أن تؤدي الأمطار إلى إبطاء العمليات سيكون في موقع أفضل لاستئناف الهجوم بعد انتهاء الموسم.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن معركة كردفان لم تعد مجرد معركة للسيطرة على مدينة أو طريق، بل أصبحت معركة للسيطرة على شبكة الإمداد، التي تربط وسط السودان بغربه. ومن المرجح أن يكون الطرف القادر على تأمين هذه الشبكة، والمحافظة على احتياطياته، والتكيف مع التحول المتزايد نحو الحرب بالطائرات المسيّرة، هو الأقدر على فرض إيقاع العمليات العسكرية وإعادة تشكيل ميزان القوى خلال المرحلة المقبلة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق