بالبلدي: مشهد القرن الإفريقي بين تضاغطين: إثيوبيا والسودان..مصر وإثيوبيا

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تكن اللقاءات الثنائية، التي عقدها الرئيس عبد الفتاح السيسي في العلمين مع الرئيس السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان والرئيس الإريتري أسياس أفورقي مجرد بروتوكول دبلوماسي معتاد في موسم الصيف، بل كانت مؤشرا كثيفا على محاولة مصرية لإعادة ترتيب أوراق القاهرة في إقليم يعاد تشكيله بسرعة تفوق قدرة الدبلوماسية التقليدية على الاستيعاب. فالقرن الإفريقي اليوم لم يعد ملفا هامشيا في هرم الأولويات المصرية، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها ثلاث معادلات متزامنة: تضاغط إثيوبي سوداني على الحدود والموارد، وتضاغط مصري إثيوبي على المياه والنفوذ الإقليمي، وتضاغط دولي إقليمي أوسع على مسار البحر الأحمر، بوصفه ممرا استراتيجيا تتنافس عليه قوى من خارج الإقليم، بقدر ما تتنافس عليه دوله المشاطئة.

القراءة المتأنية لهذا المشهد، تقتضي الفصل التحليلي بين مستويين متشابكين، لكنهما مختلفان في طبيعتهما ومآلاتهما، المستوى الأول هو التضاغط الإثيوبي السوداني، وهو تضاغط بنيوي أعمق من أن يختزل في نزاع حدودي على الفشقة، إذ يعكس محاولة أديس أبابا استثمار حالة الانكشاف السوداني الناتجة عن الحرب الداخلية المستمرة منذ إبريل 2023 لإعادة فتح ملفات ظلت مجمدة لعقود، سواء ما يتعلق بالحدود الشرقية أو بموقع السودان في معادلة تشغيل سد النهضة. فانسحاب قوات الدعم السريع من الشريط الحدودي في الفشقة لدعم مواقعها في مواجهات أخرى، قد أفرغ الجبهة الشرقية السودانية من الثقل العسكري اللازم لردع أي تمدد أمهري يستند إلى مزاعم تاريخية على الأراضي السودانية، وهو ما يمنح إثيوبيا هامش مناورة، لم تكن تملكه في ظل دولة سودانية متماسكة.

أما المستوى الثاني، وهو التضاغط المصري الإثيوبي، فيبدو للوهلة الأولى أقدم وأكثر رسوخا في الذاكرة الجماعية؛ لكونه مرتبطا بملف سد النهضة الممتد منذ أكثر من عقد، غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو، أن هذا التضاغط لم يعد يدار في فضاء ثنائي مصري إثيوبي محض، بل بات مشتبكا عضويا بالتضاغط الإثيوبي السوداني نفسه. فكلما تراجعت قدرة الخرطوم على التمسك بموقف تفاوضي موحد إزاء الملء الرابع لبحيرة السد، ازداد العبء الملقى على القاهرة منفردة في الدفاع عن حقوق دولتي المصب، وكلما توسعت أديس أبابا في سياساتها الإقليمية الأحادية، سواء في ملف المياه أو في محاولاتها المتكررة للنفاذ إلى البحر الأحمر عبر أرض الصومال، ازدادت الحاجة المصرية إلى تحالفات إقليمية مساندة، وهو ما يفسر إلى حد كبير منطق التحرك المصري نحو مثلث القاهرة أسمرا مقديشو، الذي تصاعد حضوره في المرحلة الأخيرة.

وقد أضافت اللقاءات الثلاثية في العلمين بعدا رمزيا وسياسيا لهذا التحالف الثلاثي، إذ لا يمكن فصل الحرص المصري على استضافة الرئيسين السوداني والإريتري في توقيت متقارب عن إدراك القاهرة، أن أي معادلة إقليمية ناجحة في مواجهة التمدد الإثيوبي تستلزم إسنادا جغرافيا من الجارتين المباشرتين لإثيوبيا، سواء من زاوية الحدود الشرقية السودانية أو من زاوية الساحل الإريتري الذي يحد أديس أبابا عن منفذ بحري مباشر منذ استقلال إريتريا عام 1993 غير أن فاعلية هذا التحالف الثلاثي تظل مرهونة بمدى قدرة كل طرف على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الداخلي، وهو شرط يبدو متعثرا بوضوح في الحالة السودانية، ومحفوفا بهشاشة اقتصادية بنيوية في الحالة الإريترية.

ولا يمكن فهم ديناميكيات هذا المشهد بمعزل عن قراءة مراكز التفكير الغربية له، والتي تكاد تجمع على أن النموذج التنموي الذي انتهجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، القائم على الدمج القسري للقوميات المتعددة في مشروع مركزي واحد، قد بلغ حدود طاقته الاستيعابية، فقد رصد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في تقارير متتالية، أن السياسات الإقليمية الإثيوبية باتت عاملا مفجرا للقرن الإفريقي، بقدر ما هي عامل مفجر للدولة الإثيوبية ذاتها، مشيرا إلى أن حصيلة الصراعات الداخلية في تيجراي وأمهرة وأوروميا تقترب في تقديرات أمريكية من نصف مليون ضحية، وهو رقم يضع علامات استفهام جدية حول استدامة النموذج السياسي القائم في أديس أبابا. وفي الاتجاه ذاته، خلصت تحليلات نشرتها مجلة فورين بوليسي الأمريكية إلى نقد لاذع لأداء آبي أحمد، في مؤشر على تراجع الغطاء الغربي، الذي كان يوفر لإثيوبيا هامشا واسعا من التسامح الدولي منذ لحظة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حين وظفت واشنطن أديس أبابا كشريك رئيسي في الحرب على الإرهاب بشرق إفريقيا، على حساب انسحاب مصري مفروض من الساحة الصومالية في تلك المرحلة.

هذا التراجع في الغطاء الغربي لا يعني بالضرورة انحيازا كاملا لمصر، بل يعكس بالأحرى إعادة توزيع للأولويات الأمريكية في المنطقة، تجلت في التقارب الأمريكي الكيني، الذي جعل من نيروبي نقطة ارتكاز جديدة لواشنطن في شرق إفريقيا، بالتوازي مع تفاهمات أمريكية مصرية سمحت بالحضور العسكري المصري في الصومال. أما مراكز التفكير الخليجية، وفي مقدمتها مركز تريندز للبحوث والاستشارات في أبوظبي ومركز الإمارات للسياسات، فتميل إلى قراءة أكثر برجماتية تركز على البعد الاقتصادي للمنافسة في البحر الأحمر، من زاوية الاستثمار في المواني والبنية اللوجستية، وهو ما يفسر الحضور الإماراتي المتنامي في كل من بورتسودان وبربرة وجيبوتي، بصرف النظر عن هوية النظام السياسي الحاكم في كل ضفة.

أما القراءة التركية للمشهد، فتبدو أكثر ميلا إلى تظهير أنقرة، بوصفها وسيطا محايدا قادرا على التقاط لحظات التفاوض المناسبة، كما تجلى في رعايتها للاتفاق المبدئي بين إثيوبيا والصومال حول تسوية الخلاف الناجم عن مذكرة التفاهم، التي وقعتها أديس أبابا مع إقليم أرض الصومال بشأن منفذ بحري، دون أن يتحول هذا الدور الوسيط إلى ثقل استراتيجي فعلي يزاحم الحضور المصري أو الخليجي في الإقليم، وقد عكست زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقاهرة، على هامش قمة منظمة التعاون الاقتصادي لدول الثمانية، إدراكا تركيا بأن استمرار القاهرة كشريك إقليمي، أكثر جدوى من التصعيد معها، وهو ما يفسر محدودية تأثير أوراق الضغط، التي حاولت أنقرة التلويح بها عبر ملف الإخوان المسلمين، والتي لم تجد أرضية فاعلة في السياق المصري لأسباب بنيوية، تتعلق بضعف الحاضنة التنظيمية لهذا التيار داخليا.

في ضوء هذا المشهد المركب، يصبح تقييم السياسات المصرية الراهنة مسألة تستوجب النظر إلى أكثر من مستوى في آن واحد. على المستوى العسكري الأمني، شكل الحضور العسكري المصري في الصومال، إلى جانب التحالف غير المعلن مع إريتريا، إشارة سياسية أكثر من كونها استعراضا للقوة، مفادها أن القاهرة تعيد إدراج القرن الإفريقي ضمن نطاق أمنها القومي المباشر بعد عقود من التعامل معه كملف ثانوي، وتبدو هذه الخطوة محسوبة بعناية، إذ تتجنب مصر تحويل حضورها إلى عسكرة مفتوحة قد توفر ذريعة لمزيد من تدويل أمن البحر الأحمر، وهو تدويل يخدم في المحصلة فاعلين من خارج الإقليم أكثر مما يخدم الدول المشاطئة نفسها.

على المستوى الدبلوماسي، حافظت مصر على مقاربة متوازنة إزاء الأزمة السودانية، برفضها المعلن الانحياز لأي طرف من طرفي الصراع العسكري، وهي مقاربة تحمل حكمة استراتيجية بمنع تحول السودان إلى ساحة استقطاب إقليمي إضافي، لكنها في الوقت ذاته تحمل كلفة سياسية تتمثل في استمرار محاولات بعض الأطراف الإقليمية والدولية، ومن بينها بعض مراكز التفكير الأوروبية، تهميش الدور المصري في صياغة أي تسوية سياسية سودانية مستقبلية، عبر مقاربات تركز على الانتقال المدني بمعزل عن حسابات الأمن القومي المصري المباشر المرتبطة بالحدود الجنوبية وبأمن مياه النيل.

أما على مستوى ملف سد النهضة، فما تزال السياسة المصرية أسيرة جزئيا لمنطق الصبر الاستراتيجي، الذي حكم عقدا كاملا من التفاوض، دون أن يفضي إلى تسوية قانونية ملزمة، في وقت يوظف فيه الجانب الإثيوبي حالة الانشغال الدولي بأزمات أخرى، من بينها تداعيات الحرب الإيرانية الأخيرة، لتكريس سياسة الأمر الواقع في تشغيل السد، وهنا يبدو أن أحد أهم الثغرات في الأداء المصري لا يكمن في الموقف التفاوضي المباشر، بقدر ما يكمن في تراجع القوة الناعمة المصرية في العمق الإفريقي، حيث ما تزال مصر غائبة عن عضوية منظمة القدرات الإفريقية لمراكز التفكير، التي تضم ستا وثلاثين دولة إفريقية، وهو غياب رمزي لكنه دال على محدودية الاستثمار المصري في أدوات التأثير الفكري والثقافي طويلة المدي، مقارنة بالاستثمار الإثيوبي المتراكم في هذا المجال منذ التسعينيات.

وفي مقابل هذه الثغرة، تحسب للسياسة المصرية جهود متجددة على المسار الوظيفي التقني، سواء عبر بعثة الري المصرية العاملة في السودان، أو عبر مبادرات التعاون المائي مع دول حوض النيل الأخرى، وهي أدوات تراكمية بطيئة المفعول، لكنها تبني رصيدا من الثقة، يصعب على أطراف أخرى منافسته على المدى الطويل. كما تحسب لمصر مواصلتها الضغط عبر مجلس السلم والأمن الإفريقي لإبقاء ملف سد النهضة منفصلا عن ملف الاستقرار السوداني، في محاولة لمنع الجانب الإثيوبي من توظيف الانشغال الإفريقي بالأزمة السودانية لتمييع الملف المائي.

استشرافا للمسارات الممكنة، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات متفاوتة الاحتمالية للمشهد في القرن الإفريقي خلال المديين القصير والمتوسط. السيناريو الأول هو سيناريو التعايش القلق، وهو الأكثر ترجيحا على المدى القصير، حيث تستمر التوترات الثلاثة المتشابكة، الإثيوبية السودانية والمصرية الإثيوبية والإقليمية الدولية، دون أن تتطور إلى مواجهة مفتوحة، مع بقاء هامش تفاوضي محدود لكل الأطراف،  السيناريو الثاني هو سيناريو الترسخ التدريجي للنفوذ الإثيوبي، وهو سيناريو مرجح على المدى المتوسط في حال استمرار الانهيار السوداني دون أفق تسوية، إذ يفتح هذا الانهيار الباب أمام أديس أبابا لفرض وقائع جديدة على الأرض في كل من ملف المياه وملف الحدود، بدعم غربي وإسرائيلي متفاوت الدرجة. أما السيناريو الثالث، وهو الأصعب تحققا، لكنه الأكثر استدامة لو تحقق، فهو سيناريو إعادة التوازن الإقليمي، وهو مشروط بثلاثة متغيرات مترابطة: نجاح مصري في بلورة تسوية سياسية سودانية شاملة تعيد للخرطوم قدرتها على التفاوض الموحد، وتعميق التنسيق المصري الخليجي بما يتجاوز منطق المبادرات المتوازية، ومقاربة مصرية جديدة للعلاقة مع إفريقيا تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى استثمار حقيقي في أدوات القوة الناعمة والتكامل الاقتصادي.

في المحصلة، فإن ما تكشفه لقاءات العلمين ليس مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل محاولة مصرية لإدراك أن أمن مصر القومي في القرن الإفريقي لم يعد قابلا للفصل عن أمنها المائي أو عن استقرار محيطها العربي الأوسع، والتحدي الحقيقي أمام القاهرة ليس في القدرة على إدارة أزمة بعينها، سواء كانت أزمة السد أو أزمة السودان أو التمدد الإثيوبي نحو البحر الأحمر، بل في القدرة على إدارة هذه الملفات الثلاثة في آن واحد ضمن رؤية استراتيجية متكاملة، تحول القرن الإفريقي من ساحة لإدارة التهديدات المتلاحقة إلى فضاء لبناء تحالفات استباقية، تحفظ لمصر موقعها كفاعل مركزي في أحد أكثر أقاليم العالم حساسية وتعقيدا.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??