طالعتنا العديد من المواقع الإخبارية والصحفية، منذ فترة ليست ببعيدة، عن أن هناك مشروعا بتعديل بعض نصوص قانون العقوبات المصري، وقد رصدنا أهم هذه التعديلات المطروحة، فمنها ما هو متعلق بقضايا حريات الرأي والتعبير مثل نص المادة 102، والمادة 188، وهما من المواد المرتبطة بشكل كبير بحرية الرأي والتعبير، تحت ما يسمى بجرائم نشر الأخبار الكاذبة، إضافة إلى ما هو مطروح من مشروع تعديلات على قانون جرائم تقنية المعلومات، كما أن هناك أيضا اقتراحا بتعديل لنص المادة 242 من قانون العقوبات، وهي المرتبطة بجرائم الاعتداءات البدنية. وكذلك نص المادة 309 وهي المخصصة لما يسمى بجرائم التنمر.
وقد تناولت معظم المواقع الإخبارية النصوص المقترحة بطريقة أو بأخرى، ولكن أهم ما اجتمعت عليه تلك المواقع، بحسب ما هو منشور، هو التشدد في العقوبات المطروحة كنصوص مستحدثة، سواء كانت عقوبات بدنية أو غرامات مالية واردة في تلك النصوص. فعلى سبيل المثال فقد رفع التعديل الوارد بنص المادة 242 إلى الحبس خمس سنوات، كما تم رفع الغرامات المالية الواردة بنصوص المواد 102، و188.
وأهم ما يؤخذ على تلك التعديلات، بعيدًا عن كونها من مستجدات الحكومة كالعادة، أنه لم يطرحها للنقاش المجتمعي، أو يتم أخذ رأي المتخصصين في الصناعات القانونية المصرية، أو حتى في الصياغات القانونية، حيث أصبحت الصياغة القانونية على متفرد له أصول يجب الاعتداد بها، وهذه كلها مجرد مثالب شكلية.
ولكن من حيث الموضوع، ألا وهو التشدد العقابي، هو ذات المأخذ المُلاحظ على التشريعات العقابية المصرية في السنوات الأخيرة، إذ أنها في مقامها الرئيسي تسعى فقط إلى التشدد في العقاب بشكل يكاد يكون مفرطا، وبالتالي، يكاد يكون متجافيًا مع مبدأ التناسب بين الجريمة والعقاب، ومن ناحية السياسات الجنائية والعقابية الحديثة، فإن التشدد العقابي لا يفيد في إصلاح المتهمين في معظم الحالات، كما أن السياسات العقابية الحديثة تتوجه نحو الإصلاح الاجتماعي، الذي يتنافى مع التوسع أو التشدد في عقوبة السجن أو الحبس، بل تتجه الدراسات الاجتماعية الجنائية الحديثة إلى البحث عن سبل عقابية أفضل، تتناسب والتطورات المجتمعية، وفي مثل هذه الجرائم أرى أن التوجه إلى البدائل العقابية الحديثة، تكون ذات جدوى مجتمعية أفضل سواء لتقويم المتهم من الناحية السلوكية أو لإفادة المجتمع من المتهم بإلزامه، بأن يؤدي واحدا من الأعمال ذات النفع العام في محيط بيئته، أو الأعمال التي لها علاقة بتعديل أو تغيير السلوك والنمط الفكري والأخلاقي للمتهمين في مثل هذه النوعية من الجرائم ذات الصبغة الأخلاقية.
وإذ إن القانون لا يعد مجرد نصوص جوفاء، لا تعبر إلا عن أوامر ونواهي بشكل يتوافق بشكل أو بآخر مع إرادة السلطة المشرعة فقط، من حيث المصلحة التي من أجلها قد تم سن ذلك القانون، ولكن ولا بد وأن يكون التشريع وقت أن يصدر يجب أن يكون متوافقا بشكل أولي مع الاحتياجات المجتمعية، والانحياز لمتطلبات الجماعة، دونما الوقوف عند حد مصلحة السلطة في استصدار ذلك التشريع من عدمه، فلا بد وأن يكون النصوص المقترح تشريعها توافق أو تتماس مع الاحتياجات الإنسانية، وأن تتفق ومتطلباتها، وذلك ما يعني أن تنحاز النصوص التشريعية إلى الاحتياجات المجتمعية، بخلاف انحيازها إلى محاذاة المبادئ العامة المتعلقة بالحقوق والحريات، من المبادئ المسلمة في خصوص الحريات والحقوق العامة، التي نص الدستور على تنظيمها بقانون أنه إذا خول الدستور للمشرع سلطة تقديرية لتنظيم تلك الحقوق، فيجب على المشرع ألا ينحرف عن الغرض الذي قصد إليه الدستور، وهو كفالة ممارسة هذه الحقوق والحريات العامة في حدودها الموضوعية، فإذا نقضها المشرع أو انتقص منها وهو في صدد تنظيمها، كان تشريعه مشوباً بالانحراف.. والقاعدة أن كل حق عام أوكل الدستور إلى المشرع تنظيمه بقانون فقد رسم الدستور للقانون الذي ينظمه غايات مخصصة لا يجوز للمشرع الانحراف عنها.
ومن زاوية ثانية، ففي ظل التطورات التي مرت بها المجتمعات البشرية، فقد استقر علماء القانون الجنائي إلى العقوبات السالبة للحرية، كأنسب عقاب يمكن إحلاله محل العقوبات البدنية، التي كانت سائدة في العصور القديمة، ومنذ ذلك الوقت انشغل العلماء بضرورة إعادة النظر في المعاملة العقابية للمحكوم عليه ومراعاة البعد الإنساني في التنفيذ العقابي، حتى يحقق العقاب الفائدة المرجوة منه بإعادة تأهيل المحكوم عليه للعودة مرة أخرى إلى الحياة الاجتماعية، ويكون عضوا صالحا في المجتمع، كما أن هدف التأهيل يجب أن ينبني على أسس علمية دقيقة ومحكمة في إطار برنامج تهذيبي كامل، يزود المحكوم عليه بما يحتاج إليه من تربية دينية وتعليمية ومهنية وصحية ونفسية، تساعد على إعادة التوازن الذي أخلت به الجريمة المرتكبة، وتساعد المحكوم عليه على تقويم اعوجاجه وتنشئة شخصيته على تلك الأسس السابقة، ومن المعلوم أن نجاح هذا البرنامج يقتضي وقتا كافيا لتطبيقه وتنفيذه داخل السجن وتجنيبه أي ظرف، يمكن أن يفسد الغرض منه وهو الإصلاح والتأهيل كشعار للسياسة العقابية الحديثة، التي أصبحت ترى في السجن مؤسسة اجتماعية تربوية، لا كمؤسسة للتحفظ على الجاني وإهماله.
ومن هنا، فإنني أرى أن التشدد في العقوبات، والذي بات ظاهراً في توجهات المشرع المصري منذ فترة ليست بالقصيرة في حاجة ملحة لإعادة النظر فيه، والعودة إلى الدراسات ذات الصلة، وبشكل أخص منها تلك الدراسات التي يصدرها المركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية، إذ إن من الضروري البحث عن الدوافع التي تؤدي إلى ارتكاب مثل هذه الجريمة سواء كانت اجتماعية أو أخلاقية أو نفسية، وبالتالي البحث عن أسباب لعلاجها أو تقويم سوك المنحرف أو المتهم أو الجاني، ولا يمكن أن يكون أهم وسيلة علاجية هي التشدد في العقاب، إذ أن ذلك لا يعبر سوى عن نظرة انتقامية أو ردعية للمتهم فقط دون النظر إلى البعد الإصلاحي، ولا يجب أن يكون العقاب بهذا الشكل من التشدد فيه إلا بعد استنفاد محاولات الإصلاح السلوكي أو التقييمي، كما لا يغيب عنا أننا لدينا مركز من أهم المراكز المتخصصة في ذلك، وهو المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والذي يقوم بإخراج العديد من الدراسات في ذات المتن، والتي تساير الاتجاهات العالمية في التخفف من عقوبات الحبس والسجن، والسعي نحو البدائل المطروحة، بل واستحداث بدائل جديدة، قد تعود بالنفع على المجتمع أكثر من حبس المتهم، وقد تعود بالنفع على المتهم ذاته بتقويم سلوكه، لما هو يبعده عن السلوك الإجرامي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "













0 تعليق