منذ التقطت عيناي مقتطفاً مُصوّراً لها وهي تقرأ إحدى قصصها، فزّ الحسّ الصحفي متحفزاً للتواصل مع كاتبة فلسطينية بحضور ومهنيّة القاصة الشابة شيخة حسين حليوى، كونها ابنة أرض تسكننا جميعاً، ولأنها امتداد لوشائج عقدتْ حبال وعينا بنصوص محمود درويش، وسميح القاسم، وفدوى طوقان، وتوفيق زياد، ولذا لم أتردد في الاستجابة للخاطر، مثلما لم تتردد هي في الإجابة عن أسئلتي، فإلى نص الحوار:
• من أين انزرعت نواة الكتابة في داخلك؟
•• قبل عام تقريباً كنتُ أقرأ وأناقش إحدى قصصي عبر «الزووم» مع مجموعة من القرّاء، كنتُ في بيت أمّي الّتي أقسّم وقتي بين بيتها في قضاء حيفا وبيتي في يافا. سمعتها تقول بصوتٍ واثق: «لو تعلّمتْ الكْرايَة (القراءة) والكتابة جان كتبت قصص أحسن منّج!»، يبدو أنّ النّواة موجودة لكنّ العادات والتقاليد البالية حرمت أمّي وغيرها من بنات جيلها القراءة والكتابة، قد دفنت هذه النّواة عميقاً تحت طبقات من العيب والحرام. أبي حسين العليّ كان سيّد مجالس البدو في قريتي والقرى المُجاورة، حكّاء من طراز رفيع، متى قال أوّل كلمة في مجلس الرّجال أو سهراتهم يحلّ الصّمت والإصغاء التّام. كان له حضور طاغٍ وقدرة على حبك القصص وحياكتها بشكلٍ غير عادي. ربّما أكون قد ورثتُ تلك النواة دون وعي منّي، وفجأة ألحّت عليّ في مفترق مفصليّ من حياتي حينَ أقضّ سؤالَا الهويّة والمكان مضجعي.
• متى انقدحت شرارة الكتابة وما أبرز محفزاتها؟
•• أستطيع أن أحدّد بدقّة متى حدث ذلك. لم أحلم يوماً أن أصير كاتبة كما أنّني لم أكتب خارج إطار عملي لسنواتٍ طويلة في التدريس ولاحقاً في الإرشاد والتطوير، أقصد لم أكتب نصّاً أدبيّاً واحداً. حدث الأمر دفعة واحدة؛ كتابة دون توقّف شعراً ونثراً، انهمرت الذّاكرة دفعة واحدة كمن يترك وصيّة مُهمّة قبل أن يرحل. كنتُ أنهي عملي وأدخل غرفتي وأكتب ما تمليهِ عليّ الذّاكرة. الكتابة عندي بدأت كنوعٍ من المواجهة مع الذّات، مع الأسئلة الّتي حضرت بعد سنواتٍ من الإنكار والاختباء خلف محاولات الانتماء للمدن الكبرى، يافا وحيفا. ثمّ ما لبثت أن صارت الكتابة طريقتي في مواجهة العالم بكل تناقضاته وظلامه. لأكثر من أربعين عاماً واجهتُ الحياة بالصمت والعمل والدّراسة، وجاءت الكتابة بعد الخامسة والأربعين لتعطي أوجاع الحياة أسماء وعناوين.
• ما أبرز الروافد التي استقيتِ من معينها الرشفات الأولى؟
•• الطفولة والمراهقة الأولى في قريتي، وكأنّ سنوات إقامتي الطويلة والمُمتدّة حتّى يومنا هذا في يافا، لم تكن حاضرة في كتاباتي الأولى. في المجموعة القصصيّة الأولى «سيّدات العتمة» وكذلك في النصوص الشعريّة «خارج الفصول تعلّمتُ الطّيران»، اللذيْن صدرا في العام 2015، كتبتُ طفولتي ومراهقتي تارة نثراً وتارة شعراً. لم تكن روافد بالمعنى البسيط للكلمة بقدر ما كانت دائرة سجنتُ بعضاً منّي فيها وتركتهُ ظنّاً منّي أنّه مات وانتهى، حتّى عاد على شكل ومضات مقطوعة من السّياق الكبير، سياق «ذيل العِرج» قريتي البدوية الّتي تمّ مسحها ومسح معالمها في العام 1991. كان الحدث يتجسّدُ أمام عينيّ ولا يُفارقني حتّى يجد طريقه إلى الكتابة. أوّل قصّة كتبتها كانت «حيفا اغتالت جديلتي» وهي، كما يُشير العنوان، أعادتني إلى أوّل محاولة اندماج مع المدينة، حيفا، لصبيّة بدويّة تبدأ دراستها الإعداديّة في مدرسة للراهبات في حيفا، ثمّ تغتال حيفا المدينة السّاحرة المنغلقة على تعاليها، تغتال جديلتها ثمناً لتلك المحاولات، لكنّها تكتشف بعد ثلاثين عاماً أنّ الجديلة عادت لتلتفّ حول عنقها. كان عليّ أن أحاورها في مُحاولة لتخفيف قبضتها.
• هل تخضع كتابتك لظروف وشروط المكان الذي أنتِ فيه؟
•• للمكان تأثير في كتابتي دون شك، خصوصاً في البدايات لكنّه لم يفرض شروطه عليها. أنا ابنة مكان محدّد، له لغته وذاكرته وتفاصيله وجراحه وأفراحهُ كذلك، وكل ذلك يتسرّب إلى النصّ بصورة طبيعية. لكن الكتابة بالنسبة لي ليست استجابة ميكانيكية للمكان، بل هي حوار معه أحياناً، ومساءلة له أحياناً أخرى، وربما تمرّد عليه في بعض اللحظات.
أنا أكتب من المكان، لا أكتب عنه فقط. أحمل تضاريسه وأسئلته وأصوات أهله، لكنّني أحاول أن أحوّل التجربة المحلّيّة إلى تجربة إنسانيّة أوسع. لذلك لا أشعر أنني أخضع لشروط المكان بقدر ما أدخل معه في علاقة أخذ وعطاء. هو يمنحني المادة الخام، بينما تمنح الكتابة هذه المادة أفقاً آخر يتجاوز حدود الجغرافيا.
• لماذا كانت القصة القصيرة هي المفتتح؟
•• لا أعرف إجابة محدّدة، لم يكن ذلك خياراً مدروساً منذ الكلمة الأولى. لكنّني كلّما تطوّرت الكتابة لديّ وجدتُ في القصّة قالباً مناسباً لما أريدُ قوله، سريعاً، مُكثّفاً، وحادّاً.
• ألم تغردي بعيداً عن سرب الشعراء الفلسطينيين؟
•• لا أعرف إن كنتُ قد غرّدتُ خارج سرب الشّعر الفلسطينيّ، لأنني لا أرى هذا السرب كتلةً واحدة أصلاً. الشعر الفلسطينيّ نفسه متعدّد الأصوات، والتجارب، واللغات والحساسيات. ربما لم أكتب فلسطين بالطريقة التي اعتادها بعض القراء، لكن فلسطين حاضرة في نصوصي بوصفها حياةً يومية، وجسداً، وذاكرةً، ومكاناً، وأسئلةَ وجود، لا بوصفها شعاراً فقط. أنا أكتب، عموماً، من تجربة المرأة البدوية الفلسطينية، من الهامش الذي ظلّ طويلاً خارج مركز السرديّة، وأعتقد أن إدخال هذا الصوت إلى الشعر الفلسطيني ليس خروجاً منه، بل إضافة إليه. إذا بدا صوتي مختلفاً، فذلك لأنني حاولتُ أن أكون وفيّة لتجربتي الخاصة، وليس لأنني سعيتُ إلى مغادرة الشعر الفلسطيني أو التمرّد عليه. الاختلاف بالنسبة لي ليس خروجاً من السرب، بقدر ما هو إثراءٌ له.
• هل تغدو الكتابة سلاحاً للدفاع عن الهويّة؟
•• ربما تغدو الكتابة سلاحاً للدفاع عن الهويّة في لحظات التهديد والمحو والاقتلاع، لكنّني لا أحبّ أن أحصرها في هذا الدور وحده. الكتابة بالنسبة لي فعل معرفة واكتشاف وجمال وأسئلة ومواجهة مع الذّات، قبل أن تكون أداة دفاع. بالتأكيد، حين تُستهدف هوية شعب أو ذاكرته أو روايته، تصبح الكتابة شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية، وتحفظ ما يُراد له أن يُنسى. لكن قيمة الأدب لا تكمن فقط في الدفاع عن الهوية، بل أيضاً في إعادة التفكير فيها، ومساءلتها، واكتشاف طبقاتها الإنسانية المتعددة. أؤمن أن قوة الأدب لا تأتي من كونه سلاحاً فقط، بل من قدرته على أن يحفظ الذاكرة، ويطرح الأسئلة، ويحاوِر الآخر، فالنصّ الأدبيّ الحقيقيّ يظلّ أوسع من أيّ وظيفة واحدة، مهما كانت نبيلة.
• ما أبرز مشاريعك الكتابيّة في قابل الأيام؟
•• المزيد من القصص!
وربّما أخوض تجربة الرّواية، ما أفعلهُ أنّني أتبع ما يُمليهِ عليّ المزاج الكتابيّ.
• ما أبرز المعوقات التي تعترض سبيل الكاتب الفلسطيني؟
•• نحنُ نكتب وفوقنا سحابة من الخوف، خوف المقموع من القامع، خوف الفرد من السّلطة الجائرة، أن تكتب أو تنتج فنّاً مُلتزماً وعلى عنقك سيف تلفيق التّهم ثمّ بعدها سنّ القوانين التّي تخدم هذه التُّهم. أحياناً كثيرة ليست هناك حاجة لقوانين كي تُتهم أنّك تجاوزتها، يكفي أن يوجد القامع تأويلاً يُناسب عنصريته وإجرامه. لكنّ المعوّقات ليست كلّها أدبيّة بالمعنى الضيّق. هناك أيضاً المعوّق السياسيّ المرتبط بالاحتلال وما يفرضه من قيود على الحركة والتواصل والوصول إلى الفضاءات الثقافيّة العربيّة المختلفة. وهناك أيضاً معركة الرواية، إذ يجد الكاتب الفلسطينيّ نفسه -في كثير من الأحيان- مطالباً بأن يشرح وجوده وواقعه قبل أن يُقرأ بوصفه كاتباً فحسب. إلى جانب ذلك، ثمة تحدّيات تتعلّق بالنشر والترجمة والوصول إلى القرّاء في العالم، وهي تحديات يواجهها كثير من الكتّاب، لكنّها تصبح أكثر تعقيداً في الحالة الفلسطينية. كما أن الكاتب الفلسطيني كثيراً ما يُحاصَر بتوقعات مسبقة، إذ يُنتظر منه أن يكتب في موضوعات بعينها، وكأن هويته الوطنية تحدد مسبقاً ما ينبغي أن يقوله. بالنسبة لي، من أكبر التحدّيات أن أحافظ على حرّيّتي الجماليّة والفكريّة، وأن أكتب نصاً صادقاً وعميقاً، دون أن أقع أسيرة الصورة النمطية التي يرسمها الآخرون لي أو للدور الذي يتوقّعون منّي أن أؤدّيَه.
• لمن تقرئين من الكُتّاب السعوديين؟
•• أتابع بعض الأصوات الشعرية السعودية الجديدة التي تلفتني بجرأتها اللغوية وقدرتها على تجديد العلاقة مع القصيدة. لا أستطيع أن أحصر قراءاتي في أسماء محددة فقط، لأن ما يجذبني هو النص الجيد قبل اسم صاحبه. يسرّني أن أرى في المشهد الشعري السعودي اليوم أصواتاً شابة تكتب من خبراتها الخاصة، وتبتعد عن التقليد، وتبحث عن لغتها ورؤيتها. أعتقد أن ما يميز كثيراً من الشعراء السعوديين الجدد هو تنوع التجارب والحساسيات الشعرية، والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر دون التخلّي عن خصوصية المكان والثقافة.
• هل وصلتك دعوة للمشاركة في فعاليات عربية؟
•• لا.. عدا عبر «الزووم» لبعض الفعاليات والمناقشات.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "










0 تعليق