بالبلدي: لماذا كان المغرب أول دولة تعترف بأميركا؟.. القصة الكاملة

سكاي عربية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وتستعيد هذه القصة حضورها اليوم، بالتزامن مع احتفال الأميركيين بالذكرى الـ250 للاستقلال، بوصفها واحدة من المحطات المؤسسة لأقدم العلاقات الدبلوماسية المستمرة في تاريخ الولايات المتحدة.

في ديسمبر 1777، اتخذ سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله، الذي حكم البلاد بين عامي 1757 و1790 واشتهر بتحديث الدولة وإصلاح الموانئ، قرارا سمح بموجبه للسفن التجارية الأميركية بدخول الموانئ المغربية، في خطوة اعتبرت أول اعتراف فعلي بالولايات المتحدة بعد إعلان استقلالها عام 1776.

وبحسب الروايات التاريخية، أصدر السلطان إعلانا أجاز للسفن التي ترفع العلم الأميركي دخول الموانئ المغربية، واضعا الولايات المتحدة على قدم المساواة مع الدول التي كانت تربطها بالمغرب معاهدات وعلاقات رسمية، في وقت كانت فيه الدولة الأميركية الناشئة تسعى إلى انتزاع الاعتراف الدولي وتثبيت حضورها على الساحة العالمية.

وجاء الاعتراف الفرنسي بالولايات المتحدة عام 1778، بعد توقيع معاهدة تحالف بين البلدين، قدمت بموجبها باريس دعما عسكريا وماليا للأميركيين، فيما لم تعترف بريطانيا رسميا باستقلال مستعمراتها السابقة إلا بعد انتهاء الحرب عام 1783.

 وبعد تسع سنوات من الخطوة المغربية، توج التقارب بين البلدين بتوقيع معاهدة صداقة وسلام، عرفت باسم معاهدة مراكش، عام 1786، وقعها السلطان محمد بن عبد الله والمبعوث الأميركي توماس باركلي، وصودق عليها لاحقا في الولايات المتحدة، لتصبح الإطار الرسمي المنظم للعلاقات بين البلدين، وأقدم معاهدة مستمرة في تاريخ العلاقات الخارجية لواشنطن.

رؤية استراتيجية للسلطان المغربي

قال محمد تاج الدين الحسيني، الخبير في العلاقات الدولية، إن المغرب كان يعد آنذاك إمبراطورية تمتد حدودها إلى نهر السنغال، وكانت لديه طموحات كبيرة لتوسيع علاقاته التجارية مع الدول الأوروبية.

وأوضح الحسيني، في حديثه لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن المملكة كانت تربطها علاقات مستمرة مع بريطانيا وفرنسا وهولندا، ولا سيما إسبانيا.

وأشار إلى أن السلطان محمد بن عبد الله امتلك رؤية استراتيجية متقدمة لتوسيع العلاقات التجارية للمغرب مع الشركاء الأوروبيين، بل وحتى مع الولايات المتحدة رغم بعد المسافة، لافتا إلى النشاط الكبير للسفن التجارية عبر المحيط الأطلسي، وإلى أن موانئ مثل الصويرة والعرائش والرباط وسلا كانت تستقبل السفن، بما فيها الأميركية.

وأضاف أن الولايات المتحدة كانت في البداية خاضعة للاستعمار البريطاني، وأن حرب الاستقلال، التي انتهت باستقلال الولايات الثلاث عشرة، دفعت السلطان المغربي إلى النظر في العلاقات مع الدولة الجديدة من زاوية المصالح المغربية وإمكان توسيع الروابط التجارية معها، بعيدا عن منطق التوازنات الأوروبية التي كانت تتمحور حول بريطانيا.

وأكد الحسيني أن اعتراف المغرب بالولايات المتحدة عام 1777 لم يكن نتيجة مفاوضات أو توقيع معاهدة دبلوماسية، وإنما جاء بقرار سيادي اتخذه السلطان المغربي بمبادرة منه.

وأشار إلى أن الاعتراف في القانون الدولي قد يكون واقعيا من خلال إقامة علاقات سيادية، أو صريحا عبر معاهدة أو إعلان رسمي، موضحا أن السلطان المغربي جمع لاحقا بين النموذجين، بعدما فتح الموانئ المغربية أمام السفن الأميركية، قبل أن تتطور العلاقات بين البلدين.

وأضاف أن المغرب والولايات المتحدة وقعا عام 1786 معاهدة الصداقة والسلام، التي وقعها السلطان محمد بن عبد الله، معتبرا أنها أقدم معاهدة ما تزال قائمة بين الولايات المتحدة ودولة خارج القارة الأميركية.

وأوضح أن المعاهدة تضمنت مبادئ تتعلق بحرية التجارة وحماية السفن الأميركية وضمان سلامة الرعايا الأميركيين، إضافة إلى تنظيم التعاون بين الطرفين في الموانئ المغربية.

وأكد الحسيني أن المغرب لم يخسر من هذا التوجه، بل انتهج منذ ذلك التاريخ سياسة تقوم على عدم وضع كل البيض في سلة واحدة، عبر الحفاظ على علاقاته الأوروبية والانفتاح، في الوقت نفسه، على الولايات المتحدة.

وقال إن العلاقات المغربية الأميركية عرفت ازدهارا متواصلا منذ ذلك التاريخ، ولم تشهد أي انتكاسة تُذكر.

ويرى الحسيني أن العلاقات المغربية الأميركية تعد اليوم من أكثر العلاقات تقدما على المستويين الدبلوماسي والاستراتيجي في المنطقة، مذكرا باتفاقية التبادل الحر بين البلدين، وتصنيف المغرب حليفا رئيسيا من خارج حلف شمال الأطلسي، إلى جانب تنظيم مناورات "الأسد الإفريقي" سنويا.

 وختم الخبير بالقول إن الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء عام 2020 يمثل ردا للجميل المغربي المتمثل في الاعتراف المبكر بالولايات المتحدة، كما قال الرئيس دونالد ترامب آنذاك.

قرار جريء مهد لعلاقات تاريخية

من جهته، قال الخبير في العلاقات الدولية محمد بودن إن رسالة الشكر التي بعث بها أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية، جورج واشنطن، إلى السلطان محمد الثالث، تعكس قيمة الاعتراف المغربي باستقلال الولايات المتحدة، باعتبار المغرب أول دولة في العالم تتخذ هذا القرار.

واستشهد بودن، في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، بما ورد في الرسالة: "إن دعم جلالتكم لاستقلالنا أثبت أن الحكمة لا تعرف حدودا جغرافية".

وأضاف أن المغرب اتخذ عام 1777 قرارا جريئا بالاعتراف باستقلال الولايات المتحدة، متجاوزا بذلك القوى الأوروبية التقليدية، مؤكدا أن القرار لم يكن معزولا عن سياقه التاريخي، بل جاء نتيجة رؤية استباقية جمعت بين المصالح الاقتصادية والأهداف السياسية.

وأشار إلى أنه، من الناحية الاقتصادية، سعى المغرب إلى حماية تجارته البحرية في البحر الأبيض المتوسط من تهديدات القرصنة والرسوم الجمركية الباهظة التي فرضتها الدول الأوروبية، فوجد في الولايات المتحدة شريكا تجاريا واعدا يمكنه تأمين مرور السفن المغربية وتوفير سوق جديدة لتصدير المواد الخام، كالجلود والشمع، واستيراد التقنيات الحديثة.

وأكد بودن أن الاعتراف حمل أيضا بعدا سياسيا، إذ مثل محاولة ذكية لخلق توازن دولي يخفف الهيمنة الأوروبية على المغرب، ويعزز مكانته كفاعل دبلوماسي قادر على قراءة تحولات النظام العالمي الناشئ.

وأضاف أن اتفاقية الصداقة بين البلدين جاءت تتويجا لسنوات من المفاوضات الدبلوماسية التي بدأت بالاعتراف المغربي المبكر بالولايات المتحدة عام 1777، وتميزت ببنود وصفها بـ"الثورية"، جمعت بين البراغماتية الاقتصادية والرؤية الاستراتيجية.

وأوضح الخبير أن المعاهدة كفلت حماية السفن الأميركية في البحر الأبيض المتوسط من هجمات القراصنة أو التهديدات الأوروبية، وضمنت لها حق اللجوء إلى الموانئ المغربية في حالات الحرب أو الكوارث الطبيعية، وهو ما حوّل المغرب إلى حليف أمني مهم للدولة الفتية.

وأضاف بودن أنها منحت الولايات المتحدة وضع الدولة الأولى بالرعاية، وهو امتياز تجاري لم يمنحه المغرب آنذاك حتى لحلفائه الأوروبيين، إذ أُعفيت البضائع الأميركية من الرسوم الجمركية، بينما فُتحت السوق الأميركية أمام الصادرات المغربية من الجلود والشمع والمنتجات الزراعية.

وأكد أن المعاهدة لم تكن مجرد اتفاق مادي، بل عبّرت عن رغبة الطرفين في بناء ثقة متبادلة، فتبادلا الهدايا الرمزية، إذ أرسل المغرب ساعة ذهبية من صنع حرفيي فاس تحمل شعار المملكة، بينما قدمت الولايات المتحدة أسلحة متطورة هدية للسلطان، مرفقة برسالة من جورج واشنطن أشاد فيها بـ"حكمة المغرب التي جعلت من التجارة جسرا للسلام".

وأرجع بودن استمرار هذه المعاهدة لأكثر من قرنين ونصف إلى مرونتها وتركيزها على المصلحة المشتركة من دون إملاء شروط مجحفة، إذ التزم الطرفان بالحياد في نزاعات الآخر، وحافظا على التفاوض المباشر لحل أي خلافات، ما جعلها أساسا لشراكة طويلة أثبتت أن التعاون القائم على الاحترام المتبادل قادر على تجاوز تحولات الزمن.

ترسيخ العلاقات بمفوضية دبلوماسية

وأشار بودن إلى أنه في عام 1821 اتخذت العلاقات المغربية الأميركية منعطفا تاريخيا بتأسيس أول مفوضية دبلوماسية أميركية في الخارج بمدينة طنجة، باعتبارها رمزا للثقة المتبادلة والرغبة في تعميق الشراكة.

وأوضح أن اختيار المغرب لهذا الدور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجا لموقعه الاستراتيجي بوابة تربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وقدرته على لعب دور الوسيط بين العالمين العربي والأوروبي، لافتا إلى أن طنجة كانت آنذاك مركزا تجاريا دوليا نشطا جذب المصالح الأميركية الناشئة.

وأضاف أن مهمة المفوضية لم تقتصر على تعزيز التبادل التجاري، الذي شمل تصدير السلع المغربية التقليدية كالجلود والحبوب إلى السوق الأميركية، بل امتدت إلى حماية السفن الأميركية من القرصنة وتسهيل مهام البعثات الدبلوماسية، فضلا عن كونها جسرا للتواصل الثقافي، إذ استضافت أولى البعثات التعليمية الأميركية لدراسة اللغة العربية والعادات المغربية.

وأكد أن اختيار المغرب لاحتضان هذا الصرح الدبلوماسي يعكس الرؤية الاستباقية للسلطان آنذاك، الذي سعى إلى تحويل المغرب إلى شريك لا غنى عنه في شبكة التحالفات الدولية بعيدا عن الهيمنة الأوروبية، مشددا على أن المفوضية لم تكن مجرد مبنى، بل إعلانا بدخول المغرب فاعلا رئيسيا في رسم خريطة الدبلوماسية العالمية خلال القرن التاسع عشر.

وخلص الخبير في الشؤون الدولية إلى أن العلاقات المغربية الأميركية تتمتع بذاكرة عميقة تمتد لنحو 250 عاما، موضحا أنه على مدى عقود شكل تبادل الاتفاقيات والمعاهدات والبعثات الدبلوماسية والزيارات الرسمية والمواقف المتطورة فصلا تاريخيا مشتركا في العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأميركية، بما يعكس مستوى الثقة بين البلدين.

belbalady

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" سكاي عربية "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??