الرئيس السادات يتبنى استراتيجية جديدة أمريكا هي الحل
كان عبد الناصر يؤمن بأن جوهر الصراع، هو مع الإمبريالية الغربية، التي كانت تقودها بريطانيا وفرنسا، ثم أصبحت تحت قيادة أمريكا، وما إسرائيل سوى قاعدة متقدمة في الصراع العالمي على الموارد والأسواق والمواقع المؤدية إليها، خصوصًا منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول، وأنه لا بديل عن خوض الصراع.
بينما كانت الاستراتيجية التي تطلع إليها السادات تهدف إلى الخروج من هذا الصراع، وتستوجب تكريس جهوده على النحو الذي يمكنه، من الانتقال من التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى التبعية للولايات المتحدة، قطب المعادلة الدولية الآخر.
لقد رأى السادات أن الأولوية ليست قيادة العالم العربي بل استعادة سيناء، وإنهاء حالة الحرب المستمرة، وإعادة النظر في النظام الاقتصادي، بمعنى أن الهدف الاستراتيجي أصبح أكثر تركيزًا على التخلص من احتلال سيناء. لذلك اتبع عدة خطوات تدريجية، دون أن يفصح عنها، مثلت برنامجًا محكمًا لحركته، وعلى رأسه إجراء الاتصال السري مع الولايات المتحدة، والمفاوضات المباشرة، وما يتبع ذلك من تغيير في الهدف الاستراتيجي للدولة، وقبول التسوية الجزئية بدلًا من التسوية الشاملة. وقد استدعى هذا حجب الحقائق عن الشعب ومؤسساته، فكان عليه أن يواجه عدة قوى، حتى يمكنه الانفراد بإصدار القرار الذي يحقق هدفه. لذلك استخدم جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية في قمع الحركة الطلابية المعارضة.
بعد أربعة أشهر من تنصيبه رئيسًا للجمهورية في أكتوبر عام 1970، بدت البوادر الأولى لهذا الانقلاب الجذري الكبير، الذي قام به السادات في الاستراتيجية العليا، وعملية التحول الكبير بالخروج من الصراع، عندما قدم مبادرة لفتح قناة السويس عام 1971، بعد شهرين من (مبادرة ديان) المتطابقة معها، وكان ذلك يعني أمرين: أولًا: أنه يقبل هذه المبادرة لأنها مبادرة ديان، وثانيًا: أنه بقبول هذه المبادرة إنما يقرر إنهاء مبادرة روجرز.
وقد جاءت رؤيته واضحة، وذلك في أعقاب صدور بيان الصحفيين حول أحداث الحركة الطلابية، والاحتجاجات على حالة اللا سلم واللا حرب عام 1972، في حديث الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإعلام ونائب رئيس مجلس الوزراء، مع كل من توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة. حين قال لهم: “إن الرئيس السادات يرى أن أساس المحنة التي نحن فيها، هو أن مصر لم تقبل بالهزيمة، وتسوية الأمور عقب 5 يونيو 1967 مباشرة “.
بل وتتضح الصورة كاملة لرؤية الرئيس السادات، من خلال حوار دار بين أحمد بهاء الدين رئيس تحرير الأهرام، وبين السادات في أوائل عام 1974. وذلك في حديث حول شاه إيران الذي كان قد التقى به، وأجرى معه حديثًا صحفيًا في طهران. فقد طلب السادات من بهاء الدين، أن يحكي له بالتفصيل عن زيارته لطهران ومقابلته للشاه. فيقول أحمد بهاء الدين: “رويت له قصة الرحلة كاملة، ثم أخذ السادات ينهال عليّ بالأسئلة، التي تنطوي على ثناء من نوع أو آخر على شاه إيرا ن، مثل؛ ولكن ألم تلاحظ أنه خارق الذكاء؟ أو ألم تجد أن ثقافته واسعة؟ ألم تجد أن فكره الاستراتيجي شديد التفوق؟ كان السادات يسألني بروح من الإعجاب الهائل عن شخص لم يكن يعرفه، فهو لم يره إلا مرة واحدة في مؤتمر الرباط أيام عبد الناصر.
وبدأت أقول للسادات إنه ذكي وكفء بلا شك، ولكن السؤال هو في أي شيء يستخدم ذكاءه، فقد أدهشني أن أجد طهران عاصمة البترول في أحيائها الشعبية أفقر من القاهرة، ومجاريها مازالت مفتوحة. وقلت له إن طهران لأنها مرتفعة، وفي عز الشتاء كانت في درجة الصفر، وأرضها مغطاة بالثلوج، ومنظر الحفاة بملابس مهلهلة على الجليد، كان أقسى على نفسي، من نفس المنظر لو رأيته في بلاد دافئة كمصر، واعترفت له بأن الدعاية الغربية الهائلة للشاه قد خدعتني.
ولكن السادات قاطعني قائلًا في اقتناع نهائي: أتعرف أنني أعتقد من زمان، أن مثلي الأعلى بين كل زعماء العالم هو شاه إيران؟ فأبديت دهشتي الشديدة بالطبع! وتساءلت عن الأسباب، فاستطرد السادات قائلًا: زعماء دول عدم الانحياز بتوعك، الذين ملأوا الدنيا ضجيجًا لسنوات؛ نهرو ونكروما وسوكارنو وحتى عبد الناصر وحتى تيتو اللي لسه عايش.. أين هم الآن؟ راحوا فين؟ اللي مات، واللي انهزم، واللي راح في انقلاب، واللي انكمش داخل حدوده زي تيتو!
واحد فقط من هذا الجيل وهذه المرحلة كلها باق في مقعده، بكل سلطانه وهيلمانه، والدنيا تسعى إليه، هو شاه إيران.
وقبل أن ألتقط أنفاسي استطرد يقول في حماسة: والسبب بسيط، كل هؤلاء تصوروا أن في العالم قوتين عظميين هما روسيا وأمريكا، وحاولوا التعامل معهما على قدم المساواة. والحقيقة غير ذلك تمامًا، فهناك دولة عظمى واحدة هي أمريكا، وأما روسيا فليست حتى عظمى ثانية، إنها تأتي بعد أمريكا بعشر أو عشرين درجة، وبعدهما دول أوروبا واليابان إلى آخره. وقد كان شاه إيران هو الوحيد الذي أدرك هذه الحقيقة، قام عمل إيه ؟ قعد على حجر أمريكا ومسك في هدومها! وأديك شايف كل أصحابك راحوا؛ والشاه عملت له أمريكا كل اللي هو عايزه! قامت ثورة وهرب على إيطاليا.. الأمريكان جابوه ورجعوه وقعدوه على العرش لحد دلوقت. علشان كده بقول لك إني أعتقد أنه راجل خارق الذكاء وغير عادي”.
ويضيف أحمد بهاء الدين: “هذا الكلام الذي سمعته من السادات ليس كلامًا عابرًا. لقد وجدت فيه ساعتها أول شرح كامل لفلسفته السياسية ورؤيته للعالم، وكان هذا الكلام أول مؤشر واضح وصريح وقوي ، جعلني أتوقع اتجاهات السادات المقبلة.
من جهة أخرى يفسر كيسنجر توجه السادات السياسي من القضية العربية، الذي قام بدراسته دراسة جيدة ضمن كتابه القيادة، حيث يقول: “في هذه الأثناء وبينما كان السادات يعاني السجن والعزلة، واصل الضباط الأحرار أنشطتهم، يخططون سرًا للثورة، كانت في انتظارهم صدمة غيرت أهدافهم، وهي إقامة دولة إسرائيل في 14 مايو عام 1948. فقد أعلنت الدول العربية المجاورة المشاركة في الحرب، التي اندلعت بين العرب واليهود. وعندما أُطِلق سراحه في أغسطس عام 1948، كانت القوات المصرية تكبدت خسائر فادحة، وانسحبت وحوصرت في قطاع غزة في يناير 1949، وفي فبراير وُقِعَت الهدنة الأولى. ولأن الكثير من المصريين ينظرون إلى إقامة إسرائيل مؤشرا لهيمنة أوروبية على المنطقة، فقد تعزز الانتماء المصري للقضايا العربية.
ولكن عندما خرج السادات من السجن، وصار عضوًا في مجلس قيادة الثورة، بقي في الحقيقة منفصلًا عنهم في بعض النواحي، فقد قاتل كثير من الضباط الأحرار في حرب 1948، بينما لم يكن للسادات علاقة بالحرب، لذلك تضاءلت حماسته لفكرة الوحدة العربية”.
كان ولاؤه لكل من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر خلال حكم الثورة، ثم بعد وفاة جمال عبد الناصر، وعبر علاقته بكمال أدهم رئيس المخابرات السعودية، انتقل ولاؤه إلى الملك فيصل ملك العربية السعودية، ثم سعى بدأب للتواصل مع هنري كيسنجر الشخصية الأمريكية النافذة، رئيس مجلس الأمن القومي وزير الخارجية الأمريكية، خلال الفترة 1969 – 1976 في عهدي نيكسون وفورد. بعد فشل وليم روجرز في تحقيق تسوية سلمية .
لكن نيكسون وكيسنجر كانت خطتهما تقوم على وقوع حرب عربية- إسرائيلية، تسهل خطة الوصول لتسوية لمشكلة الشرق الأوسط في ظل الرفض الإسرائيلي لها من جهة وتستخدم في تبرير خطتهما لإقامة نظام اقتصادي عالمي يقوم على نظام البترودولار، ورفع أسعار البترول.
وقد ذكر مارتن إنديك وكيل وزارة الخارجية الأمريكية في كتابه عن دور كيسنجر في الشرق الأوسط، أن حافظ إسماعيل بعدما ودع كيسنجر، أخبر أحد المقربين له في وكالة المخابرات المركزية، أن كيسنجر أوضح له قائلًا: “إذا كنت تريد منا التدخل لدى إسرائيل؛ فسيتعين عليك خلق أزمة، فنحن لا نتعامل إلا في إدارة الأزمات”. وبحسب يوجين ترون ضابط المخابرات الأمريكية: “خلص حافظ إسماعيل إلى أن كيسنجر يريد من مصر أن تشن حربًا ضد إسرائيل”.
ويؤكد ذلك أحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية ووزير الخارجية الأسبق،عند لقائه بكيسنجر في إحدى المناسبات عام 1999حيث يقول: “وفجأة أطلقت قنبلتي نحوه، إذ قلت له : أتعلم يا سيادة الوزير أن حديثك مع الدكتور الزيات في يوليو 1973، وقولك له : “ليس لدي وقت أضيعه على الشرق الأوسط في الوقت الحالي، خاصة أنه ليس لديكم قدرة على تغيير علاقات أو توازن القوى في المنطقة، وليس في إمكانكم القيام بأي شيء حربًا.. كما أنكم لا تعترفون بضرورة دفع ثمن الهزيمة التي لحقت بكم. وأضفت قولي له: إن حديثكم هذا، وتصرفات أمريكا معنا، ساهمت أو دفعت أو عجلت بالقرار المصري بالذهاب للحرب”. ويضيف: “كما ذكرت له عن محاولة السادات تسوية سياسية مع إسرائيل دون اللجوء للحرب، عن طريق إيفاد حافظ إسماعيل في سلسلة مشاورات ولقاءات مع كيسنجر نفسه. فانزعج كيسنجر بشدة من سماعه لهذه الشهادة، ونفى كل شروحاتي”.
لقد كان استخدام الحرب كخطوة نحو التفاوض هو تكتيك السادات. فحرب أكتوبر 1973 لم تكن تهدف بالضرورة إلى إنهاء احتلال إسرائيل؛ بل كسر الجمود وإجبار الأطراف على التفاوض، وتغيير التحالفات الدولية، والانتقال من الاعتماد على الاتحاد السوفيتي إلى التقارب مع الولايات المتحدة، وتوظيف أهمية مصر الجغرافية لدى واشنطن باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط، والتفاوض لاستعادة الأرض وصولًا إلى اتفاقية كامب ديفيد. والنتائج؛ استعادة سيناء تدريجيًا، الحصول على دعم اقتصادي وعسكري أمريكي، خروج مصر من حالة الحرب مع إسرائيل. مما أدى إلى تراجع مكانة مصر العربية، وظهور انقسامات داخلية وعربية حول سياساته .
في يوم 7 أكتوبر، أسرع السادات بإبلاغ نيكسون عبر شاه إيران، وكيسنجر عبر حافظ إسماعيل، بأهداف الحرب مما أدى “أن وكالة أنباء الأسوشيتد برس قد نقلت ما قالت أنه تقارير متضاربة، حول أغراض مصر العسكرية من الحرب”، وفق ما جاء في الوثيقة الأمريكية (رقم 24 يوم 10 أكتوبر) حول حرب أكتوبر. وأنه بينما كان اتفاق السادات مع السوريين، حول التقدم مسافة أربعين كيلومتر داخل سيناء، فإن الخطة المصرية كانت تقضي بالتقدم مسافة أقل من ذلك، لاعتبارات عسكرية واستراتيجية، وذلك بهدف دفع الولايات المتحدة للتدخل لدفع إسرائيل على التفاوض حول الانسحاب الكامل من سيناء، وهو ما أزعج السادات لأن ذلك من شأنه إغضاب السوريين حلفائه في التسوية. مما أدى إلى اتخاذ السادات اتخاذ قرار ما أَطلق عليه تطوير الهجوم، وهو ما اعترضت عليه القيادة العسكرية، وتسبب بالفعل في حدوث الثغرة .
أهم وأخطر نتائج الإستراتيجية الجديدة للرئيس السادات، هو الاتفاق على الانفتاح الاقتصادي الذي تم الاتفاق عليه قبل الاتفاق على فض الاشتباك. فبعد زيارة كيسنجر للسادات في 7 نوفمبر 1973، حمل كيسنجر معه إلى واشنطن ما سمعه من الرئيس السادات، وهو أن السادات مصر على القضاء على كل تراث عبد الناصر والذي ذكره كيسنجر Sadat determined to end all Nasser’s legacy في كتابه Years of Upheaval.
وفي واشنطن جرى بحث الاتفاق، وعاد مرة أخرى إلى مصر في 11 يناير عام 1974، والتقى الرئيس السادات في أسوان، وكان الرئيس على موقفه، وكان كيسنجر جاهزًا بخطة رآها ضرورية، تضمنت الأمن الشخصي للرئيس، وتقتضي بإعادة تنظيم أماكن إقامته، في أي مكان وفي أي وقت، والأمن الإقليمي للدولة. وبعدهما يجيء الدور ثالثًا على الأمن الاجتماعي للنظام، ويقتضي خطة بإعادة الهندسة الاجتماعية، وخلق طبقات جديدة، تساند التوجهات الجديدة بأسرع ما يمكن، وتضمن هذه التوجهات استمرار النظام بعد ذهاب الرئيس.
خلال أغسطس 1975، قام كيسنجر برحلات مكوكية بين القاهرة وتل أبيب، بغية الحصول على اتفاق ثان بين مصر وإسرائيل على فض اشتباك، تنسحب بمقتضاه إسرائيل من جزء آخر من سيناء بما فيه (آبار البترول).
ويقول نبيل العربي: “أن كيسنجر نجح في إقناع الرئيس السادات على التوقيع، على اتفاق يستند إلى بروتوكول، لم يتم الاتفاق على أحكامه بعد، ولا شك أن هذه سابقة تاريخية في سجل العلاقات الدبلوماسية، وتدل على مدى سيطرة كيسنجر على السادات. وبعد أن حقق كيسنجر أهدافه، اختفى وترك السادات يواجه مصيره. فبعد فك الاشتباك الثاني، كانت 85% من سيناء مازالت تحت الاحتلال الإسرائيلي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "







0 تعليق