دخلت الأزمة الليبية مرحلة سياسية جديدة بعد الترحيب المتبادل بين الولايات المتحدة وقيادة شرق ليبيا بالمبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، مسعد بولس، في وقت تتقاطع فيه ثلاثة مسارات سياسية مختلفة تتنافس على قيادة البلاد نحو الانتخابات وإنهاء حالة الانسداد التي استمرت سنوات.
وتقوم المبادرة الأميركية على الإبقاء على السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، والعمل على دمجها ضمن كيان موحد يمهد لوضع أسس تسوية دائمة للأزمة الليبية، من دون تحديد سقف زمني واضح لإنجاز الحل الشامل.
وفي أحدث مواقف الدعم المتبادل، أكد بولس تقدير الولايات المتحدة للدعم الذي أبدته القيادة العامة للجهود الدبلوماسية الأميركية، مشددا على استمرار التواصل مع مختلف الأطراف الليبية بهدف توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتهيئة مسار موثوق يقود إلى انتخابات ناجحة.
وجاءت تصريحات المسؤول الأميركي عقب إعلان القيادة العامة لقوات شرق ليبيا ترحيبها بالمبادرة واستعدادها للمشاركة في المفاوضات الخاصة بها، من أجل رسم خارطة طريق تقود إلى الانتخابات في أسرع وقت ممكن.
ويمنح هذا التفاهم بين واشنطن وشرق ليبيا زخما إضافيا للمبادرة الأميركية، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى قبول بقية الأطراف الليبية بأي ترتيبات جديدة قد تنتج عنها، خصوصا مع تزامنها مع مسارين آخرين لا يقلان أهمية وتأثيرا في مستقبل العملية السياسية.
كما تتصاعد أصوات سياسية تبدي مخاوف من أن يتحول أي توافق جديد إلى صيغة لتقاسم السلطة بين الأطراف القائمة في الشرق والغرب، بدلا من أن يشكل مدخلا فعليا لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وفي موازاة التحرك الأميركي، تواصل الأمم المتحدة الدفع بمخرجات الحوار المهيكل التي عرضتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في 18 يونيو، والتي تتضمن مقترحات لإدارة مرحلة انتقالية محددة بين 18 و24 شهراً، تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، مع وضع قيود على مشاركة بعض المسؤولين الحاليين في الاستحقاق الانتخابي.
أما المسار الثالث، فيتمثل في اتفاق الرئاسات الليبية الثلاث: المجلس الرئاسي، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، على خارطة طريق تستهدف إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل فبراير 2027، في خطوة اعتبرها مراقبون واحدة من أبرز حالات التوافق بين المؤسسات الليبية خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أنه رغم اختلاف المرجعيات بين المبادرة الأميركية ومخرجات الحوار الأممي واتفاق الرئاسات الثلاث، فإنها تلتقي جميعا عند نقطة أساسية تتمثل في الإقرار بأن الوضع القائم لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن استمرار الانقسام المؤسسي يهدد فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي.
كما أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تشير إلى أن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة تعدد فرص الحل، بل قد يتحول إلى عامل إضافي للتعقيد إذا لم تنجح الأطراف المحلية والدولية في دمج هذه المسارات ضمن عملية سياسية واحدة تفضي إلى انتخابات تنهي الانقسام وتطوي صفحة المرحلة الانتقالية الأطول في تاريخ ليبيا الحديث.
سباق على قيادة التسوية
يرى المحلل السياسي الليبي خالد الشارف أن ما يجري يعكس سباقا على قيادة التسوية أكثر من كونه خلافا حول أهدافها، معتبرا أن الرئاسات الثلاث سعت إلى تأكيد قدرة المؤسسات الليبية على إنتاج حلول محلية وعدم ترك الملف بالكامل للمبادرات الخارجية.
ويؤكد، في تصريح لسكاي نيوز عربية، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان الخرائط السياسية، بل في القدرة على تنفيذها، مشيرا إلى أن التجربة الليبية أظهرت أن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب الإرادة السياسية والضمانات التنفيذية.
ويرى أن نجاح أي مسار انتخابي يظل مرتبطا بحسم القاعدة الدستورية، وتوحيد السلطة التنفيذية، وضمان قبول نتائج الانتخابات من قبل القوى السياسية والعسكرية.
تنافس أم تكامل؟
من جانبه، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي أيوب الأوجلي أن توصيف المشهد باعتباره ثلاثة مسارات متنافسة ليس دقيقا بالكامل، موضحا، في تصريح خاص لسكاي نيوز عربية، أن المبادرة الأميركية والحوار الأممي يتقاطعان في كثير من الأهداف، وعلى رأسها توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام المؤسسي تمهيدا للانتخابات.
ويرى الأوجلي أن الدعم الذي أبدته القيادة العامة للمبادرة الأميركية يعكس حجم الزخم الذي اكتسبه هذا المسار، مرجحا أن تشهد المرحلة المقبلة نوعا من التكامل بين التحرك الأميركي والمسار الأممي، بما يمنح أي تسوية مقبلة شرعية سياسية وفرصا أكبر للتنفيذ.
مسار بولس
بدوره، يرى الأكاديمي والباحث السياسي محمد امطيريد أن التحركات الأميركية أعادت ترتيب أولويات الملف الليبي خلال الأشهر الأخيرة، لافتا إلى أن واشنطن ركزت على التواصل مع الأطراف الأكثر تأثيرا على الأرض.
وفي حديثه لسكاي نيوز عربية، يعتقد امطيريد أن هذا الحراك أسهم في تحقيق تقدم نسبي في بعض الملفات، مثل توحيد الميزانية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة باتت أقرب إلى تبني مقاربة تتقاطع مع الرؤية الأميركية بدلاً من العمل في مسار منفصل عنها.
تحذيرات من التصعيد
في المقابل، يقدم السياسي والمرشح الرئاسي السابق سليمان البيوضي قراءة أكثر تشاؤما، معتبراً، في حديثه لموقع سكاي نيوز عربية، أن تعدد المبادرات والمسارات السياسية ساهم في تعقيد المشهد بدلا من تبسيطه.
ويحذر البيوضي من أن ليبيا تعيش أزمة ثقة عميقة بين القوى السياسية والعسكرية، وأن استمرار التنافس على النفوذ والمصالح قد يدفع البلاد نحو موجة جديدة من التوتر إذا لم يتم التوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ وتحظى بقبول واسع من مختلف الأطراف.
لماذا الآن؟
وعن مسار الرئاسات الثلاث، يقول الخبير السياسي والقانوني أنور المنفي، في حديثه لسكاي نيوز عربية، إن هذا التحرك جاء استجابة للتطورات الدولية المتسارعة والحراك الأميركي والأممي المتصاعد، في محاولة لطرح رؤية ليبية للحل قبل أن تتحول المبادرات الخارجية إلى المرجعية الوحيدة لإدارة المرحلة المقبلة.
ويشير إلى أن الاتفاق يتميز بوجود سقف زمني واضح للانتخابات، وتضمينه ملفات سياسية واقتصادية وأمنية مترابطة، لكنه يشدد على أن نجاحه يبقى مرهونا بوجود ضمانات وآليات رقابة تحول دون تكرار سيناريوهات التعطيل السابقة.
ويرى الكاتب والباحث السياسي أحمد عرابي أن التطورات الأخيرة تعكس وجود مساحة متزايدة للتفاهم بين الفاعلين المحليين والدوليين، رغم بعض علامات الاستفهام المتعلقة بموعد الانتخابات المقترح في فبراير 2027.
ويؤكد، في تصريح خاص لسكاي نيوز عربية، أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل التقاطعات القائمة بين المسارات المختلفة إلى آلية عمل مشتركة تمنع تضارب المبادرات وتوحد الجهود نحو هدف واحد، مشيرا إلى أن توافق الرئاسات الثلاث يمثل تطوراً سياسياً مهماً يعكس تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية والضغوط الخارجية على مواقف الأطراف الليبية.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "







0 تعليق