تكشف الاحتجاجات على خطط إنشاء منتجع فاخر في ألبانيا، يموله الملياردير جاريد كوشنر، وزوجته إيفانكا ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن قضايا تواجه العديد من البلدان النامية، تتعلق بإدارة الموارد الطبيعية والسيادة الوطنية في ظل ما يُعرف بالأزمة الكوكبية الثلاثية: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث.
في هذا السياق، تستعرض بياتريس موسيلو، وهي باحثة مختصة في قضايا البيئة بمركز تشاتام هاوس، أبعاد القضية التي أثارت موجة من الاحتجاجات، شارك فيها آلاف لأيام متتالية، رافعين شعارات أبرزها “ألبانيا ليست للبيع” ومطالبين بإسقاط رئيس الوزراء إيدي رام.
وتوضح في تقرير موجز، كيف تتقاطع المطالب البيئية مع اعتبارات التنمية والاعتبارات الجيو سياسية المرتبطة بعلاقات ألبانيا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وأسباب رفض المشروع.
بداية الاحتجاجات
في الأسبوع الماضي، امتلأت شوارع العاصمة تيرانا بالمتظاهرين، الذين كانوا يلوحون بمجسمات لطيور فلامنجو، وجاء التجمع احتجاجاً على خطط كوشنر وإيفانكا، لتطوير منتجع فاخر في جزيرة سازان الألبانية، التي لا تزال إلى حد كبير بمنأى عن “التطوير”، وعلى امتداد ساحل زفيرنيتس بالقرب من فلورا.
وتعد المنطقة موطناً لطيور الفلامنجو، وأكثر من 200 نوع من الطيور المهاجرة، والسلاحف البحرية، وقد استمرت المظاهرات عدة أيام، بل واتسعت لتأخذ نطاقا دوليا، حيث جرى تنظيم تجمعات احتجاجية في لندن وعواصم أوروبية أخرى.
قد يبدو من غير المعتاد، أن تؤدي خطط إنشاء منتجع في منطقة نائية نسبياً من ألبانيا إلى هذا القدر من الاحتجاج والاهتمام الدولي. وإلى حد ما، يرجع ذلك إلى تورط كوشنر وزوجته في المشروع، كما ذكر رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، أثناء دفاعه عنه.
لكن الاحتجاجات، التي رُفعت خلالها شعارات «ألبانيا ليست للبيع»، تعكس سؤالاً أوسع: إلى أي مدى ينبغي التضحية ببيئة الدولة وتراثها الطبيعي باسم النمو الاقتصادي؟
ويكتسب هذا السؤال إلحاحاً جديداً في عصر تتسارع فيه الأزمة الكوكبية الثلاثية المتمثلة في تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث.
ولم تعد القرارات المتعلقة بالسواحل والغابات وأنظمة المياه العذبة مجرد مسائل تخطيط محلية، بل أصبحت على نحو متزايد اختباراً لقدرة الحكومات على التوفيق بين متطلبات التنمية والحدود البيئية، التي أصبح تجاهلها أكثر صعوبة.
وبالتالي، فإن ما كان يمكن اعتباره في السابق مشروعاً عادياً للاستثمار الأجنبي، أصبح نقطة اشتعال للنقاشات المتعلقة بالسيادة، وحماية البيئة، وأيضا الاصطفافات الجيو سياسية.
معضلة الحكومة
بالنسبة لحكومة راما، فإن جاذبية مشروعات كهذه، المدعومة أيضاً من مستثمرين قطريين ومحليين واضحة تماماً. فقد أمضت ألبانيا عقوداً في محاولة جذب هذا النوع من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، الذي تعتبره الدول الأوروبية الأكثر ثراءً أمراً مسلماً به.
وقد فتحت تعديلات مثيرة للجدل، أُدخلت عام 2024 على قانون المناطق المحمية في ألبانيا الباب أمام تطوير السياحة، مما أتاح المزيد من التوسع في قطاع تضاعف حجمه أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الماضي.
وتقدم مشاريع السياحة وعودا واسعة النطاق بتوفير فرص العمل، وتحديث البنية التحتية، وزيادة الإيرادات المالية، وتعزيز الحضور الدولي. وفي بيئة عالمية تنافسية، فإنها تشير أيضاً إلى أن الدولة “منفتحة على بيئة الاستثمار”.
وبهذا المعنى، يمثل المشروع المقترح نوع الاستثمار التحويلي، الذي تتنافس العديد من الحكومات في الجنوب العالمي وأجزاء من الأطراف الأوروبية على استقطابه.
ومن المشاريع المشابهة، مشاريع السياحة الساحلية واسعة النطاق في منطقة البحر الأحمر في مصر، إضافة إلى مشاريع المنتجعات والبنية التحتية الكبرى على طول الساحل الأدرياتيكي في الجبل الأسود. وقد جرى الترويج لكليهما، باعتبارهما مصدرين للوظائف والعملات الأجنبية، والنمو الإقليمي. وفي حالة الجبل الأسود، يمثل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هدفاً رئيسياً أيضاً.
ومع ذلك، فإن الخصائص ذاتها، التي تجعل ألبانيا جذابة للمستثمرين، هي نفسها التي تغذي المعارضة المحلية والدولية.
فالساحل الألباني غير المطور نسبياً، وتنوعه البيولوجي الغني، وتباينه البيئي، ليست مجرد أصول جمالية. بل هي نظم بيئية وظيفية تدعم مصائد الأسماك، وتحمي من تآكل السواحل، وتخزن الكربون، وتعزز القدرة على التكيف المناخي، في منطقة تشهد بالفعل ارتفاعاً في درجات الحرارة، وضغوطاً على الموارد المائية، وتزايداً في الظواهر الجوية المتطرفة.
وبعبارة أخرى، فإن ما هو على المحك ليس مجرد استخدام الأراضي، بل سلامة الأنظمة البيئية الحيوية.
التنمية والحفاظ على البيئة والأزمة الكوكبية الثلاثية
في مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسط وخارجه، تواجه النظم البيئية ضغوطاً متزايدة؛ نتيجة تجزؤ البيئات الطبيعية، وتدهور البيئات البحرية، والتلوث، والضغوط الناجمة عن تغير المناخ.
كما تؤدي ارتفاعات درجات حرارة البحار إلى تغيير التنوع البيولوجي البحري، ويتسارع تآكل السواحل بفعل الضغوط الطبيعية والبشرية على حد سواء.
وفي الوقت نفسه، يستمر الطلب على الأراضي والمياه والبنية التحتية في النمو، مدفوعاً بالسياحة، والتحضر، وتدفقات رأس المال العالمية.
ولم يعد السؤال الأساسي، يتعلق بما إذا كانت الطبيعة تمتلك قيمة اقتصادية، بل بما إذا كان يمكن تحويلها إلى مكاسب مالية قصيرة الأجل، دون تقويض الأسس البيئية طويلة الأجل، التي تعتمد عليها تلك القيمة.
البعد الجيو سياسي
ومع ذلك، لا يمكن فهم معضلة ألبانيا من خلال الاقتصاد أو السياسات البيئية وحدهما.
فالبلاد تشغل موقعاً استراتيجياً معقداً، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي ومرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يجعلها جزءاً من الهياكل الأمنية الغربية، لكنها خارج الإطار الاقتصادي والتنظيمي للاتحاد الأوروبي. وهي تسعى إلى اندماج أعمق مع أوروبا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات قوية مع الولايات المتحدة.
ويجعل هذا التوجه المزدوج من الحوكمة البيئية جزءاً من الديناميكيات الجيو سياسية، حيث أصبح الوصول إلى الاستثمارات والعلاقات التجارية والمصداقية الدولية يتأثر بصورة متزايدة بكيفية إدارة الدول للمخاطر المناخية، وحماية التنوع البيولوجي، وتنظيم استخدام الموارد الطبيعية أو الإخفاق في ذلك.
وفي الوقت نفسه، يزيد هذا الوضع من تعقيد النقاشات الداخلية حول الحوكمة البيئية والسيادة على الأصول الطبيعية. وتُعد «ثورة الفلامنجو» مثالاً واضحاً على ذلك؛ إذ شكك المحتجون في التداعيات البيئية للمشروع. لكنهم أبدوا أيضاً استياءهم من مستوى الشفافية في عملية اتخاذ القرار، ومن حجم تأثير المستثمرين الأجانب على التراث الطبيعي الألباني.
جوهر الخلاف
وعليه، فإن الخلاف حول جزء من الساحل الألباني لا يتعلق في نهاية المطاف بمشروع تطوير واحد فقط. بل يتعلق بتطور نموذج التنمية في البلاد في ظل القيود البيئية والمنافسة الجيو سياسية. كما يتعلق بمن يملك حق تقرير كيفية استخدام الأصول الطبيعية الاستراتيجية، ولصالح من تُنفذ مشاريع التنمية.
ويكمن التحدي الحاسم ليس في وضع المعايير، بل في ضمان تطبيقها بصرامة واتساق.
فالنمو الاقتصادي، وحماية البيئة، والاصطفاف الاستراتيجي، كلها أهداف وطنية مشروعة، لكن تظهر الصعوبة، عندما يبدو أن السعي لتحقيق أحدها يقوض الآخر، وهنا المعضلة الحاكمة للأزمة الكوكبية الثلاثية: فالتدهور البيئي ليس أثراً جانبياً للتنمية، بل قيداً على استدامتها طويلة الأجل.
ويتساءل المحتجون، عما إذا كان ينبغي أن تبقى بعض الأماكن خارج نطاق المطورين العقاريين، بينما تتساءل الحكومة، كيف يمكن لدولة أن تزدهر، إذا أعرضت عن استثمارات، قد تكون تحويلية. ولا يُعد أي من السؤالين غير منطقي.
أما التحدي بالنسبة لألبانيا وأيضا للعديد من الدول، التي تواجه ظروفاً مشابهة، يتمثل في أن الإجابات باتت تقع عند تقاطع الاقتصاد والبيئة والجغرافيا السياسية، حيث تصبح المقايضات أمراً لا مفر منه.
إن الدلالة السياسية المستخلصة ليست رفض الاستثمار، بل إدارته بصورة أكثر تخطيطا، ويتطلب ذلك تعزيز تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي المستقلة، كما يعني ضمان مشاركة المجتمعات المتأثرة بصورة حقيقية في اتخاذ القرارات.
كما يستلزم أيضاً وضع أطر وطنية واضحة للتخطيط المكاني من أجل تحديد المناطق، التي لا ينبغي أن تُنفذ فيها مشاريع التنمية عالية التأثير.
وهذه الضمانات ليست جديدة. فقد اعترفت بها منذ زمن طويل مؤسسات مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك الدولي، بوصفها شروطاً أساسية للتنمية المستدامة والمشروعة اجتماعياً.
وما تُظهره النزاعات مثل تلك الجارية في ألبانيا، هو أن التحدي الحاسم لا يكمن في تصميم المعايير، بل في ضمان تطبيقها بصرامة واتساق، حتى عندما تكون المصالح الاقتصادية والسياسية القوية على المحك.
أما السؤال الملح اليوم فلم يعد ما إذا كانت الدول تستطيع تحمل تكلفة حماية الطبيعة، بل ما إذا كانت تستطيع تحمل تكلفة عدم حمايتها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "












0 تعليق