بالبلدي: رفعت فياض يكتب: موازنة الـ 135 مليار جنيه ومصيدة العائد المفقود بالجامعات

السبورة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سألت نفسي أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة: كيف لبلدٍ تنتفض قيادته السياسية لتخصيص موازنة ضخمة غير مسبوقة بلغت 135 مليار جنيه أن يظل واقعه الاستثماري في المعامل حبيس ما يمكن أن نسميه "مصيدة العائد المفقود"؟

 موازنة الـ 135 مليار جنيه ومصيدة العائد المفقود بالجامعات

أقول هذا مع أن الصورة في ظاهرها تدعو للفخر فقد شهدنا قفزة في التوسع الأفقي والإتاحة بالوصول إلى 128 جامعة كما أصدرت الدولة قانون حوافز العلوم والتكنولوجيا والابتكار رقم 23 لسنة 2018 لتمكين الاستثمار الأكاديمي.

 واقتحمت القاهرة قائمة أفضل 100 تجمع علمي وتكنولوجي عالميًا وفقًا لمؤشر المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وحصدنا المراكز الأولى عربيًا وأفريقيًا في النشر الدولي ولكن اسمعوا الصدمة: القيمة الاستثمارية والإنتاجية الفعلية لكل هذه الترسانة المعرفية على أرض الواقع لا تتعدى 2% فقط طوال السنوات الماضية!

وقد وجدت أن الخلل لا يكمن في حجم التمويل وحده، بل في أربع فجوات تشغيلية قاتلة تدير أدوات المستقبل بعقلية الماضي البيروقراطية:

الفجوات التشغيلية الأربع في منظومة التعليم العالي

أولًاـ فجوة الاستثمار: حيث تحولت الشركات الناشئة المستهدفة بالقانون إلى أوراق حبيسة الروتين البيروقراطي داخل المكاتب الإدارية التقليدية طوال الخمس سنوات الماضية، بدلًا من إدارتها بمرونة تجارية حرة.

ثانيًاـ فجوة السيادة الإنتاجية: حيث أصبح النشر الدولي غاية للترقي الأكاديمي الروتيني فقط، وانفصل تمامًا عن فاتورة استيراد الدولة التي تحتاج إلى إحلال المكونات التكنولوجية الوسيطة وتوفير النقد الأجنبي.

ثالثًاـ فجوة التدويل: فرغم وجود نحو 125 ألف طالب وافد مسجلين في الجامعات من 119 دولة وموزعين على 28 جامعة حكومية، و34 جامعة خاصة، و22 جامعة أهلية ورغم إحصائية الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين التي توضح أن إجمالي الوافدين في مصر وصل إلى 198 ألف طالب (بإضافة المعاهد العالية والدراسات الحرة، بينما يتركز 138 ألفًا في التعليم العالي الجامعي)؛ ورغم أن مصروفات الوافدين حققت لمصر 1 مليار دولار بين عامي 2022 و2024؛ إلا أن معظمهم يتركز حاليًا في كليات نظرية تقليدية بسبب روتين اعتماد البرامج البينية والشهادات المزدوجة وهذا يضيع ميزة مصر الجيوسياسية كملاذ أكاديمي آمن وسط نزاعات المنطقة الراهنة لضخ العملة الصعبة، رغم السعي الحكومي لمضاعفة هذا العدد 4 أضعاف لتصبح مصر مركزًا إقليميًا للتعليم.

رابعًاـ فجوة التنافسية المهارية: حيث يواجه 4 ملايين طالب مقيد بالتعليم العالي فجوة مهارية حادة تجعل 40% من الخريجين بلا تنافسية أمام تحديات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع عجز موارد المستشفيات الجامعية وتأخر رقمنتها بالكامل.

حتمية إعادة الهندسة الهيكلية والوظيفية

وهنا نسأل بكل شجاعة: أين نحن من جامعات الجيلين الرابع والخامس؟ إن تميز الجامعات عالميًا لم يعد يُقاس بضخامة المباني الخرسانية الفخمة، بل بقوة التأثير الرقمي والابتكاري؛ حيث استغنى العالم عن المدرجات الكلاسيكية بمبانٍ ذكية أقل تكلفة، وأصبحت الجامعات تعتمد على التعليم الهجين والمختبرات الافتراضية لربط المعمل بالمصنع.

 وتثبت لغة الأرقام أن مصر تجاوزت مرحلة الإتاحة ودخلت في حتمية "إعادة الهندسة الهيكلية والوظيفية" للمنظومة لتعظيم العائد من موازنتها الحالية.

مبادرة "جِـسُـور مِـصْـر | BRIDGES EGYPT": بارقة الأمل

وسط هذا النفق، تبرز بارقة أمل صاغتها الأستاذة الدكتورة شيرين أبو وردة (أستاذ إدارة الأعمال والعميد السابق لكلية التجارة بجامعة كفر الشيخ) في المبادرة الوطنية التي أطلقتها للتمكين الإنتاجي والدولي تحت عنوان: "جِـسُـور مِـصْـر | BRIDGES EGYPT". 

وهي رؤية وطنية مطورة، صُممت هندسيًا بناءً على تحليل مقارن دقيق (Benchmarking) لأبرز الممارسات الدولية والإقليمية التي نجحت في إحداث طفرة إنتاجية في أوقات قياسية (مثل معهد MIT وجونز هوبكنز بأمريكا، ونماذج سويسرا وألمانيا وفنلندا وآسيا).

وتتجاوز المبادرة الاستنساخ الأعمى عبر إدخال متغير وطني حاسم وهو متغير "المسارات الموازية والتمكين الجيلي" (EG)، ليعمل كمضاعف حركي يمنح الكوادر الشبابية طوق النجاة لتشغيل الأودية والشركات بعيدًا عن روتين الإدارة القديم للجامعة وتعتمد المبادرة على فلسفتين إداريتين:

فلسفة "صفر تكلفة إضافية": لإعادة تدوير وتسييل المعامل المعطلة بكفاءة 100% وإقرار عقود الانتفاع مع القطاع الخاص دون تحميل الخزانة أعباء مادية جديدة.

فلسفة "الكل رابح": باستبدال لغة الأوامر بحزمة حوافز ذكية تربط مصلحة الباحث، والمستثمر، والمصنع مباشرة بمصلحة الدولة.

خريطة السياسات المقترحة للمجلس الأعلى للحوكمة

ولضمان نفاذ هذه المبادرة ومنع تجميد مستهدفاتها، يقترح الكاتب أن يُصدر السيد رئيس مجلس الوزراء قرارًا سياديًا بتأسيس "المجلس الأعلى للحوكمة" ككيان تنفيذي ورقابي مستقل برئاسته، وعضوية الوزراء والجهات الرقابية المعنية، ليعمل خلال 24 شهرًا وفق 4 قرارات سيادية عاجلة:

1ـ تفعيل ممر الاختراق البيروقراطي (EG): التشغيل الميداني لـ 30 واديًا تكنولوجيًا كمناطق حرة داخل الحرم الجامعي، والتفعيل الإلزامي لقانون حوافز العلوم لعام 2018، بنقل سلطة الإشراف المالي لمجالس استثمارية مفوضة تتبع مجلس الوزراء مباشرة.

2ـ عقود الالتزام بالمخرجات ومساءلة القيادات: رهن بقاء أي مسؤول (رئيس جامعة، عميد، رئيس قسم) في منصبه بعقد أداء ربع سنوي أمام المجلس الأعلى للحوكمة وهيئة الرقابة الإدارية، واعتبار الجمود الإداري فسادًا يستوجب الإعفاء الوجوبي الفوري.

3ـ التطبيق الإلزامى للحوافز الذكية: إقرار معيار رباعي لتقاسم الأرباح بصيغة (30-30-30-10)؛ وتفعيل الخصم الضريبي المضاعف (150%) للمصانع الممولة للمختبرات؛ وإلزام لجان الترقيات باعتماد براءات الاختراع الموجهة لإحلال 50 مكونًا تكنولوجيًا وسيطًا كبديل للنشر الورقي.

4ـ تسييل الموارد واقتصاد الوافدين: الإطلاق اللحظي لمنصة "المسار الذهبي" الرقمية لإنهاء تأشيرات وإقامات الطلاب الوافدين خلال 48 ساعة لاستهداف 350 ألف طالب؛ والدمج الرقمي الطبي الشامل للمستشفيات الجامعية بنسبة 100% لإدارة قوائم الانتظار، وزيادة الأسرّة المجانية بنسبة لا تقل عن 25% لدعم المواطن غير القادر، بما يضمن قفزة بمقدار 20 مركزًا لمصر في مؤشر الابتكار العالمي (GII).

إن الكرة الآن أصبحت في ملعب الحكومة؛ فهل نرى تحركًا سريعًا، أم سنترك الميزانيات المليارية تستنزف في التشغيل الكلاسيكي، وتظل براءات الاختراع وعقول علمائنا أسيرة مصيدة العائد المفقود؟ الوطن لا يملك رفاهية الوقت.

 بناءً عليه فإن أملي كبير في الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وأناشده بالموافقة على إطلاق المبادرة الوطنية للتمكين الإنتاجي والدولي: "جِـسُـور مِـصْـر | BRIDGES EGYPT"، لإعادة هندسة التعليم العالي كقاطرة للسيادة، والتنافسية، وبناء الإنسان، واعتبارها "مشروعًا قوميًا عاجلًا" يبدأ تنفيذه فورًا.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" السبورة "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??