في كل مرة يقرر فيها الكاتب الصحفي والبرلماني مصطفى بكري أن يقول كلمته، تظهر أصوات تحاول إعادة قراءة تاريخه من زاوية واحدة، وتقتطع مقاطع من تصريحاته ومواقفه من سياقها، في محاولة لتصدير صورة ذهنية للرأي العام بأنه «رجل كل العصور»، وكأن الثبات على حب الوطن جريمة، أو أن تأييد المواقف الصحيحة للنظام يعني التخلي عن المبادئ والثوابت.
والحقيقة أن مصطفى بكري ليس في حاجة إلى شهادة من أحد لإثبات وطنيته، فتاريخه الصحفي والسياسي حافل بمواقف لا يمكن اختزالها في مقطع فيديو مجتزأ، أو حملة إلكترونية تستهدف تشويه صورته والنيل من مسيرته.
الرجل ناصري منذ طفولته، لم يغير جلده، ولم يتخل عن قناعاته، وظل يحمل مشروعًا وطنيًا يؤمن بأن مصر أكبر من الأشخاص والأنظمة، وأن الانحياز الحقيقي يجب أن يكون للدولة ومصالح شعبها، وليس لحاكم أو مسؤول. وهذه هي النقطة التي يغفل عنها أصحاب حملات التشويه، فمصطفى بكري لا يعارض لمجرد المعارضة، ولا يؤيد لمجرد المجاملة، وإنما ينطلق في مواقفه من رؤيته لما يعتقد أنه في صالح الوطن.
فحين يخطئ النظام، تجده في مقدمة المنتقدين، وحين يتخذ موقفًا صحيحًا أو يحقق إنجازًا يستحق الإشادة، لا يتردد في دعمه، وتلك ليست ازدواجية في المواقف، بل جوهر الموضوعية السياسية والوطنية، لأن الوطنية ليست خصومة دائمة مع الدولة، كما أنها ليست تصفيقًا مستمرًا للسلطة كما يعتقد البعض.
ولعل من أبرز الشواهد على ذلك موقفه الشهير عام 2005، حين اعتلى منصة نقابة الصحفيين ووجّه انتقادات حادة للرئيس الأسبق حسني مبارك، مطالبًا إياه بالرحيل، في وقت كانت فيه المواجهة العلنية مع النظام تحمل أثمانًا سياسية ومهنية باهظة، فهل كان مصطفى بكري وقتها رجل كل العصور؟ أم كان صحفيًا يمتلك شجاعة إعلان موقفه، مهما كانت العواقب؟
لقد دفع الرجل ثمن مواقفه في مراحل مختلفة، وتعرض للحبس والملاحقة بسبب ما طرحه من قضايا وملفات، في أوقات كان كثيرون يفضلون فيها الصمت والابتعاد عن مناطق الاشتباك، وكان من بين الصحفيين الذين اقتحموا ملفات الفساد الشائكة، وفتحوا أبوابًا ظلت مغلقة أمام الرأي العام، ولم يتردد في مواجهة مسؤولين ووزراء في عهود سياسية متعاقبة، وهو ما جعل تجربته الصحفية والسياسية مثار جدل، لكنها في الوقت نفسه جزء أصيل من تاريخه العام.
ومسيرة مصطفى بكري لا يمكن فصلها عن دوره الصحفي والإعلامي، قبل أن يخوض تجربته البرلمانية، فهو لم يبدأ معارضًا من مقاعد البرلمان، بل كان صاحب قلم وصوت إعلامي حاضر في قضايا المجتمع، ومدافعًا عن الفئات البسيطة ومحدودي الدخل، وهي القضايا التي ظل يطرحها في مقالاته ومداخلاته ومواقفه السياسية.
كما أن حصوله على ثقة الناخبين والفوز بمقاعد برلمانية عبر دورات متتالية باعلي الأصوات الانتخابية يعكس وجود قاعدة جماهيرية ترى في تجربته صوتًا يعبر عن قضاياها، وإن كانت المواقف السياسية بطبيعتها قابلة للاختلاف والتقييم والنقد، فإن ذلك لا يبرر حملات التشويه أو محاولات مصادرة تاريخه.
إن أخطر ما في الحملات التي تستهدف الشخصيات العامة هو اعتمادها على اجتزاء المواقف من سياقها، وتجاهل عشرات الشواهد التي تكشف الصورة الكاملة، فليس من الإنصاف أن تختزل مسيرة صحفي وسياسي كبير في تصريح هنا أو إشادة هناك، بينما يتم تجاهل مواقفه المعارضة الصريحة، ومعاركه الصحفية، وما تعرض له من ضغوط بسبب آرائه.
ومن حق الجميع أن يختلفوا مع مصطفى بكري، وأن ينتقدوا تصريحاته ومواقفه، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع يحترم التعددية وحرية التعبير، لكن ليس من حق أحد أن يزوّر التاريخ أو ينتقي من الوقائع ما يخدم روايته، ثم يقدم ذلك للرأي العام باعتباره الحقيقة الكاملة.
أما الحديث عن حملات إلكترونية منظمة تستهدف النيل منه، فإن الحكم على طبيعتها وأهدافها يجب أن يستند إلى أدلة واضحة، لا إلى مجرد الاختلاف في الرأي. وفي المقابل، فإن التعبير التلقائي عن التقدير والمحبة من جانب مواطنين يرون فيه رمزًا صحفيًا وسياسيًا يستحق الاحترام، يظل حقًا مشروعًا لا يقل عن حق منتقديه في إبداء آرائهم.
والفارق كبير بين رأي يخرج من قناعة صاحبه، وبين خطاب يقوم على اجتزاء الوقائع وتكرار الاتهامات دون تقديم أدلة.
في النهاية، قد نختلف مع مصطفى بكري في بعض آرائه، وقد نتفق معه في مواقف أخرى كثيره، لكن الإنصاف يقتضي قراءة تاريخه كاملًا، لا محاكمته بمقاطع مبتورة. فالرجل الذي انتقد أنظمة، وواجه مسؤولين، ودافع عن مواقفه في أوقات صعبة، لا يمكن اختزال تجربته في وصف عابر أو اتهام جاهز.
مصطفى بكري قد يختلف معه البعض، لكن تاريخه لا يختزل في مقطع فيديو، ووطنيته لا تقاس بمدى معارضته أو تأييده، وإنما بقدر ما يؤمن به من أن مصلحة مصر يجب أن تظل فوق الجميع.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





