أصدر مركز سوفان للأبحاث تقريرا الاثنين يسلط الضوء على استعداد مصر لتقديم دعم دفاعي للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية، وما يحمله ذلك من تحول في دور القاهرة الإقليمي.
يرى التقرير أن التحرك المصري يتجاوز اليمن إلى ملفات السودان وغزة وأمن البحر الأحمر، في ظل تراجع الانخراط العسكري الأمريكي المباشر وتصاعد التنافس الإقليمي.
ويفتح طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي تفويضًا برلمانيًا “وافق مجلس النواب أمس بالفعل على التفويض” لإرسال قوات إلى الخارج الباب أمام مشاركة مصرية محتملة في الدفاع عن السعودية، لكنه يثير مخاوف من الانجرار إلى حرب جديدة وتداعياتها على الأمن القومي والاقتصاد.
وبحسب التقرير، تسعى القاهرة إلى تعزيز موقعها في المعادلات الإقليمية مستفيدة من حاجة دول الخليج إلى شريك عربي يمتلك قوة عسكرية كبيرة، وسط تعثر الجهود الأمريكية في مواجهة إيران وحلفائها.
غير أن هذا التوجه يضع مصر أمام موازنة دقيقة بين تعزيز شراكتها الأمنية مع الخليج، والإبقاء على قنوات التواصل مع طهران، وتجنب فتح جبهات تهدد مصالحها الاستراتيجية.
ولا يقتصر هذا التحول على اليمن، بل يمتد إلى السودان وغزة والقرن الإفريقي، حيث تتداخل حسابات القاهرة الأمنية مع التنافس على النفوذ في البحر الأحمر، وتتعارض مصالحها في بعض الملفات مع مواقف الإمارات وإثيوبيا.
القاهرة تعرض دعمها العسكري للسعودية
يشير التقرير إلى أن مصر ظلت لعقود على هامش القرارات العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط، في ظل تفوق مالي ونفوذ إقليمي لدول الخليج، إلى جانب الدور الإسرائيلي.
وانشغلت القاهرة بدرجة كبيرة بإدارة أزماتها الداخلية والاقتصادية، مع الحرص على تجنب أي تحول جذري في سياستها الإقليمية من شأنه المساس بمعاهدة السلام مع إسرائيل الموقعة عام 1979.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحد من الانخراط العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة، بعدما أخفقت واشنطن خلال عام 2026، في هزيمة إيران وحلفائها.
وفي ظل هذا المأزق، باتت السعودية ودول خليجية أخرى تنظر إلى مصر بوصفها شريكًا أمنيًا عربيًا مناسبًا لمواجهة التهديد الذي تمثله جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، وهي أبرز حلفاء إيران في المنطقة.
ويأتي هذا التحول بعدما استأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية وحلفائها في جنوب اليمن، وأنهوا هدنة استمرت أربع سنوات، في أعقاب الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد إيران.
ومع تصاعد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، وتقدم الحوثييين على امتداد الساحل، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في سبتمبر التدخل مباشرة، بما في ذلك شن غارات جوية على مواقع الحوثيين، لكن الرئيس الأمريكي رفض الطلب، تفاديًا لتوسيع المشاركة العسكرية في المنطقة، واكتفى بعرض دعم أقل انخراطًا، يشمل توفير معلومات استخباراتية عن مواقع القوات الحوثية وصواريخها.
وبعد رفض واشنطن، اتجهت الرياض إلى شركائها في «اتفاق مكة»، تركيا وباكستان، طلبًا للمساعدة.
غير أن البلدين رغم انتمائهما إلى العالم الإسلامي يواجهان قيودًا جغرافية وسياسية؛ فكلاهما غير عربي ويجاور إيران ما يفرض عليهما موازنة أي تحرك عسكري خشية الرد الإيراني.
في المقابل، تبدو مصر خيارًا أكثر ملاءمة للسعودية، نظرًا إلى بعدها الجغرافي عن الحدود الإيرانية، وامتلاكها جيشًا كبيرًا، وعلاقاتها الوثيقة بواشنطن.
وليست هذه المرة الأولى التي تشارك فيها القاهرة في تحالف عسكري ضد الحوثيين.
فقد انضمت إلى التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات عام 2015، وقدمت دعمًا جويًا وبحريًا، شمل إرسال سفن حربية لحماية الملاحة عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي. ولم تشارك تركيا وباكستان في تلك الحملة.
تحضر في السياق، تجربة التدخل المصري الأسبق في اليمن عام 1962، حين أرسل الرئيس جمال عبد الناصر نحو 50 ألف جندي لدعم القوى المناهضة للملكيين اليمنيين، الذين ساندتهم السعودية.
وقد استنزفت الحرب الجيش، وأسهمت في إضعافه قبل هزيمة مصر أمام إسرائيل في حرب يونيو 1967، وهي تجربة لا تزال تلقي بظلالها على حسابات التدخل العسكري المصري في اليمن.
تفويض برلماني وسط مخاوف من اتساع الحرب
بعد زيارة محمد بن سلمان إلى مصر لمناقشة تطورات اليمن وقضايا إقليمية أخرى، طلب السيسي من البرلمان تفويضه بإرسال قوات ومعدات عسكرية إلى الخارج، وأعلن مجلس الدفاع برئاسة السيسي، الأسبوع الماضي، قراره تقديم «كل أشكال الدعم الممكنة» لمساعدة السعودية على الدفاع عن أمنها في مواجهة التهديد الحوثي.
لكن تصريحات رسمية أخرى وتقديرات مراقبين مقربين من الحكومة أشارت إلى أن المهام المصرية المحتملة ستكون «دفاعية»، وقد تشمل حماية المناطق الحدودية السعودية أو تقديم دعم للدفاع الجوي ومهام عسكرية مرتبطة به.
وعارضت أحزاب وشخصيات عامة التدخل، داعية إلى حل دبلوماسي للصراع اليمني، ومحذرة من إدخال مصر في حرب إقليمية أخرى من دون تحديد أهدافها بوضوح أو تقدير تكاليفها المحتملة.
وتتركز بعض المخاوف على أن يؤدي التدخل إلى تعريض المصالح المصرية لهجمات حوثية، بما في ذلك السفن المتجهة إلى قناة السويس، وخط أنابيب سوميد لنقل النفط، ومحطات الطاقة ومنشآت تخزين الوقود. ويشير التقرير إلى أن بعض هذه المنشآت سبق أن تعرض لهجمات بصواريخ باليستية حوثية خلال الحرب الأمريكية الإيرانية.
كما يحذر من التداعيات الاقتصادية، بعدما ألحقت هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر أضرارًا بالاقتصاد المصري على مدى ثلاث سنوات، نتيجة خسائر إيرادات النقد الأجنبي.
ويذهب التقرير إلى أن هذه الخسائر تجاوزت مجتمعة الآثار الاقتصادية لحروب ليبيا والسودان وغزة.
في المقابل، يرى مؤيدو التدخل أن التحرك العسكري يخدم أهدافًا استراتيجية مشتركة مع عواصم عربية أخرى، في مقدمتها إضعاف إيران وحلفائها.
ويعتبرون أن إعلان السيسي استعداده للمشاركة يبعث برسالة إلى طهران، مفادها أن القاهرة ستساند دول الخليج في مواجهة محاولات إيران تفكيك علاقاتها بالولايات المتحدة، أو دفعها إلى قبول نفوذ إيراني على مضيق هرمز.
ويضيف التقرير أن مشاركة القوات المصرية في مهام برية داخل اليمن، إذا تجاوزت حدود الدفاع عن الأراضي السعودية، قد تساعد في وقف تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر باتجاه مضيق باب المندب.
وقد عارض الحوثيون هذا الاحتمال صراحة.
ففي رسالة نشرتها وكالة «سبأ» الخاضعة لسيطرتهم، دعا يحيى الراعي، رئيس مجلس النواب الموالي للجماعة، النواب المصريين إلى رفض التفويض وعدم الزج بمصر في الحرب، محذرًا من أن انخراطها في هذا المسار سيشكل خطرًا جسيمًا على أمنها القومي واستقرارها الداخلي.
إيران تخشى خسارة حليفها الأبرز في اليمن
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى اتصالًا هاتفيًا بنظيره المصري بدر عبد العاطي، تناول «آخر التطورات الإقليمية»، مع بدء البرلمان المصري مناقشة التفويض،
والاتصال استهدف، بحسب ما أُفيد، ثني القاهرة عن التدخل العسكري في اليمن.
وتنبع المخاوف الإيرانية من احتمال أن تسهم القوات المصرية في تمكين السعودية والقوات المحلية في جنوبي اليمن من إلحاق هزيمة استراتيجية بالحوثيين، الذين يمثلون أحد أهم حلفاء طهران المتبقين في المنطقة.
ويرتبط هذا القلق الإيراني بموقف القاهرة من الحرب في غزة حسب التقرير، لأن طهران ترى أن مصر أسهمت بالفعل في إضعاف حليف إيراني آخر، هو حركة حماس، عبر قبولها الضمني بالحملة العسكرية الإسرائيلية الهادفة إلى تدمير الحركة.
وأن السيسي وحلفاءه ينظرون إلى حماس باعتبارها امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين، التي وصل أحد قادتها “محمد مرسي” إلى رئاسة مصر عام 2012 قبل الإطاحة به في تحرك عسكري قاده السيسي عام 2013.
وكان السيسي، وفق التقرير، من الشخصيات المؤثرة في صياغة خطة ترامب للسلام في غزة، التي تنص على نزع سلاح حماس في نهاية المطاف.
وفي إطار الخطة، سُمّيت لجنة تكنوقراط لتولي إدارة القطاع مؤقتًا، وتستضيفها مصر إلى أن تسمح الظروف بانتقالها إلى غزة وبدء عملها بصورة فعلية.
لكن بعض الاستراتيجيين المصريين يحذرون من أن الانخراط في اليمن قد يصرف الأجهزة الأمنية المصرية عن التحديات القائمة في غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس بالقرب من الحدود المصرية.
السودان والقرن الإفريقي.. صراع النفوذ على البحر الأحمر
لا يقتصر التحرك المصري على اليمن وغزة، بل يمتد إلى السودان والقرن الإفريقي، حيث هناك ربط بين المصالح الأمنية المصرية بالتنافس على النفوذ في الضفة الغربية للبحر الأحمر.
ففي السودان، ساعدت القاهرة القوات المسلحة السودانية ومؤسسات الدولة على تعزيز موقعها في الحرب ضد ميليشيا قوات الدعم السريع، مارست انتهاكات واسعة بحق المدنيين في المناطق التي سيطرت عليها.
وفي الوقت نفسه، إيران تسعى إلى إيجاد موطئ قدم في بورتسودان، بما يتيح لها توسيع نفوذها على الجانب الغربي من البحر الأحمر.
ومن هذا المنظور، فإن إضعاف الحوثيين في اليمن قد يخدم أهداف القاهرة في السودان أيضًا، عبر الحد من النفوذ الإيراني على جانبي هذا الممر البحري الاستراتيجي.
وتواجه مصر في المقابل تحديًا آخر يتمثل في إثيوبيا، التي ترى القاهرة في مشروع سد النهضة التي تقيمه أديس أبابا تهديدًا لحصتها التاريخية في مياه النيل.
غير أن مصالح القاهرة في هذه الملفات تصطدم بمصالح الإمارات، الحليف العربي الآخر للولايات المتحدة، والتي تسعى إلى توسيع نفوذها في شرقي إفريقيا. ودعمت قوات الدعم السريع في السودان، وساندت أبوظبي الحكومة الإثيوبية.
وتكشف هذه التباينات، عن انقسامات عربية تعرقل بناء سياسة إقليمية متماسكة، حتى بين الدول التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن.
وقد أسهمت هذه الخلافات مرارًا في تعقيد إدارة الصراعات، ومنها الحرب في اليمن.
قمة العلمين لتنسيق المواقف الإقليمية
في محاولة لتنسيق المواقف إزاء الحوثيين وقوات الدعم السريع والحكومة الإثيوبية، استضاف السيسي في مدينة العلمين الجديدة يوم 4 أكتوبر قمة رباعية، شارك فيها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، وقائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان.
وشدد البيان المشترك للقادة الأربعة على أن إدارة البحر الأحمر تقع ضمن المسؤولية الحصرية للدول المطلة عليه في رسالة ضمنية لإثيوبيا التي تفتقر لنافذة على هذا الشريان البحري الاستراتيجي، وأكد البيان ضرورة ضمان حرية الملاحة الدولية وأمنها في خليج عدن ومضيق باب المندب.
ويعكس هذا التحرك، سعي القاهرة إلى تثبيت موقعها في الترتيبات الأمنية والسياسية للبحر الأحمر، وربط ملفات اليمن والسودان والقرن الإفريقي ضمن رؤية إقليمية واحدة.
لكن الانتقال إلى دور أكثر فاعلية لا يخلو من مخاطر. فالتدخل في اليمن قد يعزز موقع مصر في الشراكة الأمنية مع السعودية، ويحد من نفوذ إيران وحلفائها، لكنه قد يعرّض الملاحة والمنشآت الاقتصادية المصرية لهجمات جديدة، ويعمق الخلاف مع الإمارات، فضلًا عن احتمال تشتيت الموارد العسكرية والأمنية بين ساحات متباعدة.
وبذلك لا يتعلق القرار المصري بمجرد مساعدة السعودية على مواجهة الحوثيين، بل باختبار أوسع لقدرة القاهرة على توسيع نفوذها الإقليمي من دون أن تتحول المشاركة في إدارة الأزمات إلى انخراط مباشر في حروب يصعب تحديد مآلاتها أو تكاليفها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



