تدخل المواجهة الأمريكية- الإيرانية فى أواخر أكتوبر 2026 مرحلة مختلفة عن تلك التي بدأت بها الحرب فى فبراير الماضي، فقد استهدفت الحملة العسكرية الأمريكية- الإسرائيلية خلال مراحلها السابقة معظم مكونات القوة الإيرانية التي كان من الممكن أن تشكل أهدافاً لحملة عسكرية واسعة، مثل البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وقواعد إنتاجها، البحرية الإيرانية، الدفاعات الجوية، مراكز القيادة والسيطرة، والبنية الصناعية العسكرية، وحددت واشنطن منذ بداية عملية Epic Fury أهدافها المعلنة بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير أو إضعاف قدراتها الصاروخية والبحرية، وقطع قدرتها على تمويل وتسليح حلفائها الإقليميين، وبحلول إبريل أعلنت الإدارة الأمريكية أن جانباً كبيراً من هذه الأهداف العسكرية تحقق بالفعل.
ومن ثم أصبحت المشكلة الأمريكية مختلفة، فلم يعد السؤال فقط كيف يمكن تدمير مزيد من المنشآت الإيرانية، وإنما كيف يمكن منع طهران من إعادة بناء ما تم تدميره، وإجبارها فى الوقت نفسه على قبول تسوية سياسية تحقق الأهداف التي لم تحسمها القوة العسكرية وحدها.
من هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل الأمريكي من الضربات العسكرية إلى ما أطلقت عليه واشنطن فى أغسطس عملية Economic Outcast، والتي أعلنت الإدارة أن هدفها قطع "كل شريان اقتصادي متبقي يسمح للنظام الإيراني بالاستمرار وإعادة بناء قدراته، وبذلك لم يعد الحصار مجرد عقوبات مالية تقليدية، وإنما أصبح محاولة لحرمان إيران من النفط والعملات الصعبة والنقل البحري والتمويل والتأمين وشبكات الالتفاف على العقوبات.
وهنا تتقاطع هذه السياسة مع الورقة التي استحدثتها إيران نفسها أثناء الحرب وهى مضيق هرمز، فقد أدركت طهران أن قدرتها على تهديد الملاحة فى الممر الذى تعبر من خلاله نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية يمكن أن تعوض جانباً من تفوق الولايات المتحدة العسكري والاقتصادي.
وأصبح هرمز بذلك ورقة تفاوض جديدة لم تكن بهذه القوة فى المفاوضات النووية السابقة.
يمكن تبسيط تطور سيناريو المواجهة على مرحلتين، قبل الحرب كان جوهر المساومة هو قيود نووية إيرانية مقابل رفع عقوبات وضمانات أمريكية، أما بعد الحرب فأضيفت ورقة جديدة وهى فتح هرمز مقابل تخفيف الحصار.
وقد ظهرت هذه المعادلة صراحة فى خطة الأيام السبعة الإيرانية، فقد عرضت إيران إعادة فتح المضيق فى مقابل رفع الحصار البحري، وتخفيف القيود على صادرات النفط، والإفراج عن أصول إيرانية وإنهاء القتال، على أن تبدأ بعد ذلك المفاوضات الأوسع، بما فيها الملف النووي، الولايات المتحدة رفضت الصيغة الإيرانية الأولى، بينما ظل الخلاف الرئيسي قائما حول ترتيب الأولويات فالولايات المتحدة تريد إدخال التنازلات النووية أولاً، بينما تريد إيران الحصول أولاً على متنفس اقتصادي وفتح الطريق أمام صادراتها.
وهذا يعنى أن الحصار الأمريكي أصبح عمليا الورقة المقابلة لهرمز، فكما تستطيع إيران رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها من خلال تعطيل المضيق ورفع أسعار الطاقة، تستطيع الولايات المتحدة رفع تكلفة الانتظار على طهران من خلال تجفيف الإيرادات ومنع الاقتصاد الإيراني من التكيف مع الحرب.
لكن هذه المقابلة لا تعنى تساوى الورقتين بالكامل، هرمز يؤلم الطرفين والعالم معاً، فإغلاقه يضر أيضاً بإيران ويعرضها لضغوط دولية واسعة، أما الحصار الاقتصادي، فرغم ما يسببه من تكلفة للولايات المتحدة وحلفائها عبر أسعار الطاقة واضطراب الأسواق، فإن أثره المباشر والأعمق يقع داخل الاقتصاد الإيراني.
وقد بدأت نتائج هذه السياسة تظهر بصورة ملموسة، فقد بلغ التضخم السنوي الإيراني 73.6% فى سبتمبر، وفقد الريال ما يقرب من35% من قيمته منذ إعادة فرض الحصار البحري فى يوليو، بينما هبطت صادرات الخام الإيرانية المنقولة بحراً إلى الصفر فى الأسبوع الثاني من سبتمبر وظلت عند هذا المستوى حتى مطلع أكتوبر.
وحاولت طهران تخفيف أثر الحصار بتحويل التجارة إلى البر، إلا أن هذا البديل أظهر حدوداً واضحة، فإيران تمتلك شبكة واسعة من المنافذ البرية مع تركيا والعراق وأذربيجان وأرمينيا وتركمانستان وأفغانستان وباكستان، إلا أن زيادة حركة الشاحنات خلقت اختناقات حادة، فعلى الحدود التركية ارتفعت أعداد الشاحنات بصورة كبيرة، وتحولت فترات الانتظار من أيام قليلة إلى فترات طويلة، بينما ظهرت قيود وإغلاقات فى بعض المنافذ العراقية والباكستانية، وبحلول أواخر سبتمبر كانت آلاف الشاحنات تنتظر على الحدود الإيرانية، بما يؤكد أن الطريق البرى قادر على إبقاء الاقتصاد يتحرك لكنه لا يستطيع تعويض الطاقة التي كانت توفرها الموانئ الجنوبية.
أما بحر قزوين فقد أصبح خيارًا بديلا لكن ليس كاملاً، فقد ارتفعت حصة الموانئ الشمالية من نقل السلع الأساسية من نحو18% قبل الحرب إلى حوالى 30%، وازدادت حركة الحاويات عبر هذه الموانئ، إلا أن طاقتها النظرية لا تتجاوز حوالى 30 مليون طن مقابل نحو 300 مليون طن لجميع الموانئ الإيرانية، كما أدى انخفاض منسوب مياه بحر قزوين إلى تقليص الحمولة التي يمكن للسفن دخول الموانئ الإيرانية بها من نحو ستة آلاف إلى أربعة آلاف طن، حتى إن حمولة سفينة كبيرة واحدة بالخليج قد تحتاج إلى نحو عشرين سفينة ببحر قزوين لنقل الكمية نفسها.
ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار إيران فى البحث عن صيغ تفاوضية رغم تمسكها العلني بشروطها، فالأمر لا يعنى بالضرورة أنها استسلمت للموقف الأمريكي، بل إنها تحاول أيضاً إطالة المفاوضات حتى تمر الانتخابات النصفية الأمريكية، أملاً فى استغلال حساسية إدارة ترامب تجاه أسعار الوقود والتكلفة السياسية للحرب، لكن هذه الاستراتيجية أيضاً لها مردود عكسي بالداخل الإيراني، وهو ما يجعل الوقت يعمل ضد الطرفين فى الوقت نفسه، وإن كان بصورة مختلفة.
وهنا تبرز فرضية أن نجاح الضغط الاقتصادي قد يجعل الولايات المتحدة أقل احتياجاً إلى البحث عن مبرر لضربة عسكرية جديدة، فالضربة العسكرية الجديدة تحتاج إلى تفسير سياسي مثل نشاط نووي إيراني جديد، هجوم على القوات الأمريكية، اعتداء كبير على الملاحة، أو عملية ينفذها أحد الحلفاء الإقليميين لطهران ويمكن إسنادها إليها، لكن كل هذه المبررات تظل محفوفة بالمشكلات.
فالادعاء بأن إيران تعيد بناء برنامجها النووي يمكن أن يكون فضفاضاً ما لم تؤيده معلومات يمكن التحقق منها، كما أن هجوماً من الحوثيين أو حزب الله لا يثبت تلقائياً أن إيران أصدرت أمراً مباشراً بتنفيذه، حتى وإن وفر بيئة سياسية مواتية لمن يريد توجيه ضربة.
والأهم أن الولايات المتحدة قد لا تحتاج فى الأساس إلى تحمل هذه المخاطر إذا كان الحصار يحقق تدريجياً ما لم تستطع الضربات تحقيقه، وهو إجبار إيران على الاختيار بين استمرار التدهور الاقتصادي وبين قبول قيود على قدرتها النووية والعسكرية مقابل تخفيف الضغوط.
بل إن ضربة جديدة قد تعمل فى بعض الظروف ضد الهدف الأمريكي نفسه، فقد تؤدى إلى ارتفاع جديد فى أسعار النفط والوقود، وإعادة توحيد المجتمع الإيراني خلف النظام، ومنح طهران مبرراً لتشديد إغلاق هرمز، وإعادة تحويل المواجهة من اختبار لقدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود إلى حرب مفتوحة يصبح فيها العامل العسكري مرة أخرى هو المسيطر.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة قبل الانتخابات النصفية الأمريكية فى 3 نوفمبر، فى وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى استياء واسع من إدارة الحرب، بينما أصبحت أسعار الوقود وتكاليف الطاقة عاملاً انتخابيا مباشرا.
وهذا لا يعنى أن الخيار العسكري اختفى، فهناك تقارير عن إعداد خطط أمريكية وإسرائيلية لعمليات جديدة محتملة بعد الانتخابات، تشمل بصورة عامة البنية النووية والصاروخية والمسيرات وبعض البنى الاقتصادية والطاقة، لكن ذلك لا يعنى بالضرورة اتخاذ قرار باستخدامها، فقد يؤدى ذلك إلى توسيع الحرب ورفع أسعار النفط.
بالنسبة لإسرائيل فحساباتها مختلفة بدرجة كبيرة عن الحسابات الأمريكية، فبينما ظل الهدف الأمريكي الرسمي مركزاً على منع السلاح النووي وتدمير القدرات العسكرية التي تسمح لإيران بتهديد الولايات المتحدة وحلفائها، انتقل بنيامين نتنياهو فى أكتوبر إلى طرح إسقاط النظام الإيراني نفسه باعتباره الطريق الوحيد - وفق رؤيته - لمنع إعادة بناء التهديد، وأعلن أن إسقاط النظام أصبح توجيهاً للجيش والموساد والأجهزة الأمنية.
وهنا يظهر تباعد أمريكي - إسرائيلي فى الهدف النهائي، فالولايات المتحدة تستطيع نظرياً قبول بقاء النظام إذا وافق على اتفاق يضمن القيود النووية ويحد من إعادة بناء قدراته ويعيد حرية الملاحة، أما إذا أصبح تغيير النظام هدفاً إسرائيلياً فعلياً، فإن نجاح الحصار فى إنتاج اتفاق أمريكي - إيراني لا يعنى بالضرورة أن إسرائيل تعتبر أهدافها قد تحققت.
وتبرز الانتخابات الإسرائيلية المقررة فى 27 أكتوبر حساسية أي عمل عسكري جديد، إلا أن اندلاع توتر أو سقوط صواريخ داخل إسرائيل لا يؤدى تلقائياً إلى تأجيل الانتخابات، فقد أقر الكنيست فى يوليو قانوناً خاصاً بانتخابات 2026 يمنح لجنة الانتخابات سلطات استثنائية تسمح باستمرار عملية الاقتراع أثناء حالة الطوارئ أو الهجوم، بما فى ذلك ترتيبات للنازحين وتعليق التصويت محلياً ثم استئنافه، أى أن التشريع صمم أساساً لجعل استمرار الانتخابات تحت النار ممكنا.
أما تأجيل الانتخابات كاملة فيحتاج إلى ظرف استثنائي يجعل إجراء الاقتراع مستحيلاً فعلياً، وإلى تأييد 80 عضواً من أصل 120 فى الكنيست، مع تحديد موعد بديل جديد وألا يتجاوز التأجيل المدة الضرورية التي تفرضها الظروف، ومن ثم فإن مجرد هجوم محدود من أحد وكلاء إيران حتى إذا استخدم لتبرير رد عسكري- لا يكفى تلقائيا لتمديد بقاء نتنياهو أو تعطيل الانتخابات.
وهذا يفرق بين أمرين وهما الحصول على مبرر للضربة، والحصول على مبرر لتأجيل الانتخابات. الأولى يمكن أن تنشأ من هجوم محدود أو تصعيد بحرى أو معلومات استخباراتية جديدة، أما الثانية فتحتاج إلى مستوى من الخطر يجعل ملايين الإسرائيليين غير قادرين على ممارسة حقهم فى التصويت بصورة متكافئة رغم التدابير الاستثنائية التي أقرت بالفعل.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الولايات المتحدة حالياً لديها حافز أكبر لاستنفاد قوة الحصار قبل العودة إلى الضربات، فالجولة السابقة أضعفت قدرات إيران، بينما الحصار يحاول منع إعادة بنائها ويضغط على طهران دون تحمل مخاطر حرب جديدة، وإذا بدأ هذا الضغط فى إنتاج تنازلات حقيقية -وليس مجرد تبادل أوراق- فإن الحاجة الأمريكية إلى عمل عسكري جديد ستنخفض.
والنقطة الحاسمة لن تكون عدد المقترحات الإيرانية، وإنما تغير مضمونها، فإذا قبلت طهران مثلاً خفضاً ملموساً لقدرة التخصيب، أو ترتيبات رقابية أوسع، أو معالجة مخزون اليورانيوم بالتزامن مع تخفيف الحصار، فسيكون ذلك دليلاً أقوى على أن الحرب الاقتصادية بدأت تحقق هدفها السياسي، أما إذا ظلت إيران تستخدم المفاوضات لكسب الوقت دون تقديم تنازلات، مع استعادة قدراتها النووية أو الصاروخية، فستزداد مرة أخرى قيمة الخيار العسكري بعد انتهاء القيود الانتخابية الأمريكية.
وفى النهاية لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى تحييد مضيق ورقتي هرمز والحصار ثم الدخول فى مفاوضات بلا أوراق ضغط، بل الأكثر منطقية هو تعليق الورقتين بصورة تدريجية وقابلة للعكس من خلال تخفيف إيران لقيود الملاحة مقابل تخفيف جزئي للحصار، ثم خطوات نووية مقابل إعفاءات نفطية أو مالية إضافية، بحيث يحتفظ كل طرف بإمكانية إعادة الضغط إذا توقف الطرف الآخر عن التنفيذ.
وبذلك تنتقل المواجهة من مرحلة تدمير القوة الإيرانية إلى مرحلة حرمان إيران من الموارد اللازمة لاستعادتها، واستخدام هذا الحرمان لفرض اتفاق على القضايا التي فشلت القوة العسكرية وحدها فى حسمها.
وعليه فإن استمرار نجاح الضغط الاقتصادي قد لا يحتاج إلى مبرر جديد لضرب إيران، لأن عدم الضرب نفسه قد يصبح الأداة الأكثر فاعلية، بينما تبقى القوة العسكرية الأمريكية معلقة كخيار يمكن العودة إليه إذا انهار المسار الاقتصادي والتفاوضي.
أما الخطر الرئيسي على هذه الاستراتيجية فهو أن تتحرك إسرائيل وفق تعريف مختلف للنصر، أو أن يقع هجوم كبير على القوات الأمريكية أو الملاحة يغير الحسابات فوراً، لذلك فإن الأسابيع التالية للانتخابات الأمريكية لن تحدد فقط إن كانت هناك ضربة جديدة، بل ستكشف ما إذا كانت الولايات المتحدة قد انتقلت بالفعل من الحرب بهدف تدمير القدرات الإيرانية إلى الحصار بهدف فرض شروط على كيفية إعادة بنائها أو منع إعادة بنائها أصلاً.
اقرأ أيضاً
عاجل| ترامب يحدد موعد انتهاء حرب إيران.. ماذا سيحدث بعد انتخابات التجديد النصفي؟
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





