لم يعد طبيب الجلدية حاضرًا في أذهان كثيرين بوصفه الطبيب المختص بتشخيص الأمراض الجلدية وعلاجها فقط، بل بات يرتبط لدى شريحة من المجتمع بـ «البوتوكس والفيلر والليزر» وإجراءات تحسين المظهر، في صورة ذهنية عززها الانتشار الواسع للعيادات التجميلية، وكثافة الإعلانات، وحضور المحتوى التجميلي على منصات التواصل الاجتماعي.
بينما يقصد المرضى عيادات الجلدية لعلاج أمراض ومشكلات صحية متعددة، يتزايد إقبال آخرين عليها بهدف تحسين المظهر ومعالجة العيوب وآثار الحروق والندوب والتصبغات. ومع اتساع هذا الجانب من الممارسة الطبية، برز تساؤل حول ما إذا كان التوسع في الخدمات التجميلية قد غيّر صورة التخصص لدى المجتمع، أم أن التركيز الإعلامي على هذا الجانب حجب دوره العلاجي الأوسع.
أسهم الانتشار المتزايد للإجراءات التجميلية في ربط تخصص الجلدية بتحسين المظهر أكثر من ارتباطه بعلاج الأمراض، خصوصًا مع ما تحظى به صور النتائج التجميلية والإعلانات الترويجية من انتشار ومتابعة.
ويرى منتقدون أن هذا التركيز جعل الجانب التجميلي يبدو وكأنه الوظيفة الأساسية لطبيب الجلدية، رغم أنه لا يمثل سوى جانب من مجالات تخصصه. كما أدى التطور التقني وتنوع الإجراءات المتاحة إلى توسيع نطاق الخدمات التي تقدمها العيادات، بالتزامن مع تزايد اهتمام المجتمع بالمظهر الخارجي، ما عزز حضور التجميل في المشهد العام، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجع الدور العلاجي للتخصص.
أكزيما وصدفية وحب شباب
في المقابل، يظل طب الأمراض الجلدية تخصصًا طبيًا يُعنى بتشخيص طيف واسع من الأمراض وعلاجها ومتابعة تطورها والحد من مضاعفاتها. وتشمل هذه الأمراض الأكزيما والصدفية وحب الشباب والالتهابات والحساسية وتساقط الشعر وأمراض الأظافر والتصبغات، إلى جانب الأمراض المناعية والوراثية والمعدية التي قد تتطلب فحوصًا دقيقة وخططًا علاجية ومتابعة مستمرة.
ولا تقتصر أهمية هذا الدور على معالجة الأعراض الظاهرة، بل تمتد إلى تحديد أسباب المشكلات الجلدية، والتعامل مع الحالات المزمنة، ومتابعة الاستجابة للعلاج، بما يحافظ على صحة الجلد ويحد من تطور الأمراض ومضاعفاتها.
ويرى مواطنون أن بعض المنصات الإعلامية أسهمت في تكريس الصورة المرتبطة بالتجميل، من خلال التركيز على الإجراءات التي تجذب الجمهور وتحقق انتشارًا أوسع، مقابل حضور أقل للمحتوى الذي يعرّف بالأمراض الجلدية وطرق تشخيصها وعلاجها، والدور الطبي الذي يؤديه الأطباء في التعامل مع الحالات المختلفة.
ويبرز هنا دور التوعية في تعريف المجتمع باتساع التخصص، وتوضيح الفارق بين الإجراءات التجميلية التي تُجرى وفق أسس طبية ومهنية، والممارسات التي يغلب عليها الترويج التجاري، مع التأكيد على أن ملاءمة أي إجراء تظل مرتبطة بالتقييم الطبي وحاجات الحالة.
ولا يعني توسع خدمات التجميل أن رسالة طبيب الجلدية قد تغيرت، فهذه الإجراءات قد تكون جزءًا من الممارسة الطبية، خصوصًا عند معالجة آثار الحروق والندوب وبعض التشوهات والمشكلات التي تؤثر في جودة حياة المرضى وثقتهم بأنفسهم. غير أن هذا الجانب لا ينبغي أن يحجب الوظيفة الأساسية للتخصص، المتمثلة في تشخيص الأمراض وعلاجها ومتابعتها.
ويبقى التحدي في إعادة التوازن إلى الصورة الذهنية لدى المجتمع، بحيث لا يُختزل طب الجلدية في البوتوكس والفيلر والليزر، ولا يُنظر إلى التجميل بوصفه نقيضًا للعلاج؛ فالتخصص يجمع بين مجالات متعددة، يظل أساسها الممارسة الطبية المسؤولة، القائمة على التشخيص الدقيق واختيار العلاج المناسب ومراعاة صحة المريض وسلامته.
الصورة النمطية لـ «الجلدي»
طبيبة الأمراض الجلدية والتجميل الدكتورة ديانا القاضي قالت لـ«عكاظ»: إن صورة طبيب الجلدية في أذهان بعض المرضى أصبحت مرتبطة بإجراءات مثل البوتوكس والفيلر والليزر، فيما يغيب أحيانًا دوره الأساسي في تشخيص وعلاج الأمراض الجلدية المزمنة والمناعية والوراثية والمعدية، مشددة على أن التشخيص والعلاج يظلان أساس طب الجلدية.
وأوضحت ديانا أن التطور التقني وارتفاع الطلب على تحسين المظهر وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة عرض النتائج بالصور، أسهمت جميعها في زيادة حضور التجميل في مجال الجلدية، لافتة إلى أن نتائج الإجراءات التجميلية غالبًا ما تكون أكثر سهولة في العرض الإعلامي من رحلة علاج مرض جلدي مزمن قد تستغرق شهورًا أو تحتاج إلى متابعة مستمرة، ما يجعل الجانب التجميلي أكثر حضورًا في الصورة العامة للتخصص.
وبيّنت أن العامل الاقتصادي حاضر في هذا المجال، إذ قد تحقق بعض الإجراءات التجميلية عائدًا ماليًا للعيادة، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في ألا يؤثر العائد المادي على القرار الطبي، مؤكدة أن توصية الطبيب يجب أن تستند إلى حاجة المريض ومصلحته، وليس إلى الربحية وحدها.
صورة خيالية ومثالية
حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، قالت الدكتورة ديانا إنها رفعت مستوى الوعي بالإجراءات التجميلية، لكنها أسهمت في الوقت نفسه في تكوين توقعات غير واقعية لدى بعض المرضى، خصوصًا مع عرض صور مثالية دون توضيح المخاطر أو حدود النتائج. وأكدت أن مسؤولية الطبيب لا تقتصر على تنفيذ الإجراء، بل تمتد إلى تقديم معلومات دقيقة وتصحيح المفاهيم الخاطئة ومساعدة المريض على اتخاذ قرار واقعي وآمن يحافظ على ملامحه الطبيعية ويحترم رغبته.
وحذرت من أن التركيز على التجميل قد يؤدي في بعض الممارسات إلى استحواذه على الوقت والموارد، إلا أنه لا يمكن تعميم ذلك دون أدلة، مشيرة إلى أن أمراضًا مثل الصدفية والإكزيما والثعلبة والبهاق تحتاج إلى تشخيص ومتابعة مستمرة، ويجب ألا تتراجع أولويتها أمام جاذبية الخدمات التجميلية.
وشدّدت الدكتورة ديانا على أن امتلاك أحدث الأجهزة أو إتقان الحقن لا يغني عن القدرة على فحص الجلد وتشخيص الأمراض وتحديد الحالات التي تحتاج إلى فحوص إضافية أو خزعة، مؤكدة أن التشخيص الإكلينيكي يظل أساس التخصص.
وأشارت إلى أن بعض المرضى قد يركزون على علاج التصبغات أو تساقط الشعر دون إدراك أن وراء المشكلة أسبابًا متعددة، مبيّنة أن دور الطبيب يبدأ بتحديد السبب، لأن تحسين المظهر وحده لا يغني عن علاج المرض الأساسي عندما يكون موجودًا.
مخاطر الحلول السريعة
الدكتورة ديانا، حذرت من مخاطر الحلول السريعة التي تتم دون تشخيص دقيق، لما قد تسببه من تأخر اكتشاف المرض أو اختيار علاج غير مناسب أو تفاقم المشكلة وحدوث مضاعفات، مؤكدة أن «سرعة الإجراء لا ينبغي أن تسبق دقة التشخيص».
وفي ما يتعلق بالإجراءات غير الضرورية، أكدت أن الطبيب مسؤول عن تقييم ملاءمة الإجراء وسلامته، وليس مجرد تنفيذ طلب المريض، موضحة أن رفض الإجراء عندما تكون مخاطره أكبر من فائدته المتوقعة أو عندما تكون توقعات المريض غير واقعية، يمثل التزامًا أخلاقيًا ومهنيًا.
وأضافت أن تحقيق التوازن بين الربح ورسالة المهنة يتطلب الالتزام بالشفافية والاستطباب الطبي السليم، إذ لا يقاس النجاح بعدد الإجراءات فقط، بل بجودة الرعاية وسلامة المرضى وثقتهم بالطبيب.
وأكدت أهمية أن يبدأ تدريب الأطباء الجدد بأساس قوي في تشخيص الأمراض الجلدية وعلاجها، ثم يتكامل ذلك مع التدريب التجميلي، لأن الطبيب الذي يمتلك فهمًا عميقًا للجلد وأمراضه يكون أقدر على اختيار الإجراء المناسب وتجنب المضاعفات والتعامل معها.
متى ينبغي ألا نجريه؟
الدكتورة ديانا، أوضحت أن دور الجامعات وبرامج التدريب يتمثل في ترسيخ مهارات التشخيص التفريقي وعلاج الحالات المعقدة والمزمنة، إلى جانب توفير تدريب تجميلي علمي وآمن، للوصول إلى طبيب قادر على اتخاذ القرار الطبي الصحيح، وليس مجرد إتقان إجراء محدد.
وحول الإعلانات الطبية التجميلية، شدّدت على الحاجة إلى إعلانات دقيقة وغير مضللة، توضح حدود النتائج والمخاطر المحتملة، بما يحمي المريض ويمكّنه من اتخاذ قرار واعٍ.
وترى أن النموذج الأمثل للعيادة التي تجمع بين العلاج والتجميل هو الذي يبدأ بالتقييم الطبي الدقيق، ويوفر مسارات واضحة لعلاج الأمراض الجلدية ومتابعتها، إلى جانب إجراءات تجميلية مناسبة لكل مريض، مع الاهتمام بالسلامة والنتائج والتعامل مع المضاعفات.
واختتمت الدكتورة ديانا حديثها بالتأكيد على أنه لا ينبغي الاختيار بين العلاج والتجميل، فكلاهما جزء من طب الجلدية الحديث، لكن يجب ألا يُنسى أن أساس التخصص هو فهم الجلد وتشخيص أمراضه وعلاجها. وقالت إن قيمة طبيب الجلدية لا تكمن فقط في الإجراء الذي يستطيع تنفيذه، بل في معرفته متى يكون هذا الإجراء مناسبًا، ومتى ينبغي ألا يجريه.
فجوة بسبب الكثرة
اختصاصي الأمراض الجلدية والتجميل والليزر الدكتور مضر أحمد القيم، يرى أن تخصص الأمراض الجلدية شهد تطورًا وتحولًا باتجاه الأمراض والإجراءات التجميلية مع بداية القرن الحادي والعشرين، مؤكدًا أن ذلك ليس مجرد انطباع مجتمعي.
وأوضح أن علم التجميل ظهر بقوة في عالم الأمراض الجلدية نتيجة النتائج الباهرة التي قدمها، إضافة إلى العائد المادي، مشيرًا إلى أن العائد المادي له دور كبير في توجه طبيب الجلدية إلى مجال التجميل، دون إغفال النتائج المهمة التي حققها طب التجميل وما أسهم به في الاستغناء عن بعض العلاجات القديمة.
وأكد الدكتور القيم، أن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت كثيرًا في النظرة إلى طب التجميل، نتيجة النتائج التي يقدمها أطباء التجميل، مبينًا أن المؤسسات الصحية والعيادات الخاصة تأثرت بدورها بالطلب المتزايد على تحسين المظهر، ما عزز توجهها نحو طب التجميل.
وأشار إلى أن زيادة الطلب على طب التجميل لم تؤثر في طب الأمراض الجلدية، لوجود أمراض جلدية تحتاج إلى طبيب مختص في الأمراض الجلدية، مؤكدًا أن التشخيص الإكلينيكي يظل أولًا لدى طبيب الجلدية قبل الانتقال إلى الجانب التجميلي.
ولفت الدكتور القيم، إلى وجود فجوة كبيرة بين عيادات التجميل، بسبب كثرة العيادات، إلا أن الطبيب المتمرس وصاحب الخبرة يظل له الدور الأكبر في اختيار الإجراء المناسب وتقديم الخدمة الآمنة للمريض.
الأخلاق قبل الربح السريع
عن مرضى البهاق والصدفية وبقية الأمراض الجلدية، أكد الدكتور القيم، أنهم يحصلون على عناية فائقة من أطباء الجلدية، مشيرًا إلى وجود مراكز متخصصة لعلاج هذه الأمراض، مضيفًا أن هناك كثيرًا من المرضى الذين يركزون على السبب المرضي أكثر من المظهر.
وشدد على ضرورة أن يكون طبيب الجلدية والتجميل صادقًا مع المريض، وأن يقدم له النصح الحقيقي، كما دعا المرضى إلى مراجعة الطبيب المختص والصادق للحصول على العلاج المناسب، موضحًا أن الطبيب قد يرفض في بعض الحالات إجراءً تجميليًا إذا كان غير مناسب للمريض.
وبيّن أن تحقيق التوازن بين الربح المادي والإجراءات التجميلية يكون من خلال اختيار العيادة المناسبة والطبيب المناسب، مؤكدًا أهمية دور الجامعات ومراكز التدريب في تطوير مهارات الأطباء، إلى جانب حضور المؤتمرات والندوات العلمية التي تسهم في تطوير المهنة.
وأكد أن على الطبيب أن يتحلى بالصفات الأخلاقية قبل التفكير في العائد المادي، مشيرًا إلى وجود عيادات طبية متخصصة في المملكة تقدم خدمات طبية وتجميلية متقدمة.
مؤشرات سرطانية خطيرة
أخصائي الأمراض الجلدية الدكتور نجيب السيد الفرنواني، يرى أن عيادة الجلدية ارتبطت في أذهان كثيرين خلال السنوات الأخيرة بحقن البوتوكس والفيلر وإزالة التجاعيد وتفتيح البشرة والليزر، حتى بدا الجانب التجميلي وكأنه الوظيفة الأساسية لطبيب الجلدية، على حساب دوره الأصيل في تشخيص الأمراض الجلدية وعلاجها والوقاية من مضاعفاتها.
وأوضح أن المشكلة ليست في طب التجميل ذاته، فهو فرع مهم يسهم في تحسين المظهر والحالة النفسية وجودة الحياة متى مورس وفق ضوابط علمية وأخلاقية، وإنما في تحوله من جزء من التخصص إلى نشاط يطغى على بقية مهامه، خصوصًا مع سرعة الإجراءات التجميلية وارتفاع عائدها مقارنة بمتابعة الأمراض الجلدية المزمنة والمعقدة.
وأكد أن الجلد أكبر أعضاء الجسم، وقد يكون مؤشرًا مبكرًا على أمراض داخلية ومناعية وهرمونية ومعدية؛ فالطفح قد يرتبط بمرض مناعي، والحكة المستمرة بأمراض الكبد أو الكلى، وتساقط الشعر باضطرابات الغدة الدرقية أو نقص الحديد، فيما قد تكون بعض التغيرات في الشامات إنذارًا مبكرًا لسرطان الجلد.
وأشار إلى أن أمراضًا مثل الصدفية والإكزيما والبهاق وحب الشباب الشديد والثعلبة والالتهابات الفطرية والبكتيرية تحتاج إلى تشخيص دقيق وفحوص ومتابعة، وقد تؤثر نفسيًا واجتماعيًا في المريض وقدرته على الدراسة والعمل.
ولفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تكريس معايير جمالية مبالغ فيها، مع انتشار الصور المعدلة ومرشحات الهواتف والإعلانات التي تربط الثقة بالنفس بمظهر محدد وبشرة خالية من العيوب، ما قد يدفع بعض الأشخاص إلى إجراءات تجميلية استجابة للضغط الاجتماعي أكثر من الحاجة الطبية.
لا تضعونا في مواجهة
الدكتور الفرنواني، بيّن أن التركيز المتزايد على التجميل قد يؤثر أيضًا في التدريب الطبي، ويقلل الاهتمام بالحالات الجلدية المعقدة والعيادات المتخصصة في الصدفية والإكزيما وأمراض الشعر والمناعة وأورام الجلد، في حين قد يلجأ بعض المرضى إلى حلول سريعة، كاستخدام الكريمات أو المضادات أو الكورتيزون دون تشخيص، بما قد يؤخر اكتشاف المرض أو يسبب آثارًا جانبية. وشدّد الدكتور الفرنواني، على ضرورة عدم وضع الطب العلاجي والتجميلي في مواجهة، مؤكدًا إمكانية الجمع بينهما، مع الحفاظ على قوة التعليم الإكلينيكي، ودعم عيادات الأمراض المزمنة والتخصصات الدقيقة، ووضع ضوابط للإعلانات الطبية تمنع استغلال مخاوف الناس أو تصوير الإجراءات التجميلية على أنها خالية من المخاطر.
وختم بالتأكيد أن صحة الجلد يجب أن تسبق تجميله، والتشخيص يجب أن يسبق الإجراء، وحاجة المريض يجب أن تسبق الاعتبارات التجارية، وأن قوة تخصص الأمراض الجلدية لا تُقاس بعدد أجهزة الليزر أو حقن التجميل، بل بقدرته على الجمع بين العلم والعلاج والجمال وحماية المريض من المرض والاستغلال.
الجمال وجاذبية المنصات
المحاضر والمتخصص في الاتصال الاستراتيجي والإعلام المؤسسي بقسم الإعلام في جامعة الملك سعود، نايف الحميدين، قال إن تكرار محتوى التجميل الذي يقدّمه المشاهير والمؤثرون، وجاذبية المنصات الرقمية وسرعة التفاعل معها، أسهمت في زيادة القبول الاجتماعي للإجراءات التجميلية، حتى تحوّلت لدى البعض من خيار شخصي إلى معيار ضاغط يؤثر في تقدير الذات، بفعل المقارنة المستمرة بالصور المثالية.
وأشار إلى أن تأثير المحتوى يمتد إلى الأسرة، خصوصاً الفئات الأصغر سناً، لافتاً إلى تسجيل نحو 38 مليون إجراء تجميلي جراحي وغير جراحي عالميًا خلال 2024م، منها نحو 154 ألف إجراء في السعودية، وفق بيانات الجمعية الدولية لجراحة التجميل.
وأوضح الحميدين، أن اتساع الطلب والمنافسة دفع بعض الحملات الإعلانية إلى ربط التجميل بالثقة بالنفس والوصول إلى الصورة المثالية، ما قد يختزل إثبات الذات في المظهر الخارجي على حساب الأبعاد المعرفية والقيمية، محذراً من اختلاط التثقيف الطبي بالتسويق التجاري وتحول الإجراءات التجميلية إلى سلع ترويجية.
وشدّد على أن الإشكالية ليست في التجميل، لما له من جوانب علاجية وترميمية واختيارية مشروعة، بل في تغليب الاعتبارات التجارية على المعايير المهنية، مؤكدًا أهمية دور الإعلام في تعزيز الوعي الصحي، وتمكين الجمهور من التمييز بين المعلومات الطبية والإعلانات، وترسيخ الإفصاح والشفافية، وتشجيع الأطباء على تقديم محتوى مسؤول. وأكد أن المطلوب الحد من تسليع التجميل إعلامياً، لا الحد منه، بما يدعم القرارات الواعية ويحفظ القيم المهنية.
معايير الجمال المثالية
المدرب الدولي والمستشار التعليمي والأسري الدكتور عمر عبدالعزيز الشعشعي الزهراني، يرى أن تنامي إعلانات التجميل والعناية بالبشرة ونحت القوام وتبييض البشرة عبر منصات التواصل يستدعي دوراً أسرياً واعياً لحماية الأبناء من المقارنات وعدم الرضا عن مظهرهم، مشدداً على أهمية الحوار والاحتواء بدلاً من المنع والتشدد.
وأوضح الشعشعي لـ«عكاظ»، أن الثقة بالنفس تبدأ من شعور الأبناء بالقبول والمحبة داخل الأسرة، بعيداً عن معايير الجمال المثالية، مشيراً إلى أن تعزيز تقدير الذات يحميهم من الضغوط النفسية والتسويق الذي يربط الجمال بالمظهر الخارجي.
وشدّد على ضرورة تنمية الوعي النقدي لدى الأبناء بمناقشة مصداقية الصور والإعلانات، والجهات المستفيدة منها، وموثوقية المنتجات والإجراءات التجميلية، والتحقق من تراخيص الممارسين الصحيين، بما يساعدهم على التمييز بين المعلومات الطبية الموثوقة والمحتوى التجاري المضلل.
ودعا إلى توجيه الأبناء نحو الممارسات الصحية، مثل النظافة الشخصية والنوم الكافي والتغذية المتوازنة وشرب الماء وممارسة الرياضة، وتشجيعهم على استقاء المعلومات من المختصين الموثوقين، وعدم الانسياق وراء إعلانات المشاهير التي قد تروج لمنتجات أو وعود غير موثوقة.
وأكد أن القدوة الأسرية تؤثر في تشكيل اتجاهات الأبناء وسلوكياتهم تجاه المظهر والتجميل، مشيراً إلى أن الأسرة القائمة على الحب والحوار والوعي تعزز ثقتهم بأنفسهم، وتساعدهم على الاستفادة من التطور الطبي دون الوقوع ضحية للتسويق المضلل، وترسخ لديهم أن قيمة الإنسان لا تختزل في مظهره الخارجي.
كيف اختفى «الحزاز» في يد «نور»؟
عن تجارب الجمهور، تقول نور لـ«عكاظ»: «عانيت فترة طويلة من الحزاز في كفوف يدي، وراجعت عددًا من أطباء الجلدية، وتنوعت العلاجات بين الكريمات والإبر والترطيب، إلا أن التحسن لم يكن كما كنت آمل».
وأضافت: «أحالني أحد الأطباء إلى عيادة تجميل، وعند مراجعتي لها وجدت أن تكلفة العلاج مرتفعة، وفي إحدى الليالي كنت أتصفح تطبيق تيك توك، وظهرت أمامي وصفة مرتبطة بالحزاز، طبقتها، ومع استمرار العلاج الذي وصفه لي الأطباء والعناية بالجلد لاحظت تحسنًا كبيرًا واختفاء الحزاز من يدي».
وأكدت أن تجربتها جعلتها أكثر تمسكًا بالأمل إلى جانب العلاج الطبي، مشيرة إلى أن الكريمات والعناية الجلدية التي استخدمتها بالتزامن مع تجربتها الروحية أسهمت، من وجهة نظرها، في تحسن حالتها، قائلة: «الحمد لله على ما منّ به عليّ من شفاء وتحسن».
شرب الماء وترطيب الجلد
«سارة» تقول إنها عانت كثيرًا من آثار الإكزيما التي تركت بقعًا داكنة وتشوهات واضحة في يديها وكتفيها ووجهها، موضحة أن بعض هذه البقع كانت كبيرة وعميقة وواضحة للعين.
«تعالجت كثيرًا في عيادات الجلدية، وراجعت عيادات التجميل، وأنفقت مبالغ كبيرة بين العلاجين، وبصراحة استنزفني ذلك ماديًا، خصوصًا ما أنفقته على الجانب التجميلي».
وأضافت: «الحمد لله تحسّن جلدي كثيرًا، وتحسن لون البشرة وأصبح أفضل، رغم أنني أنفقت مبالغ كثيرة خلال رحلة العلاج بين عيادات الجلدية والتجميل».
وبين التجميل وعيادات الجلدية، قال محمد ناصر الغامدي، إنه عانى كثيرًا من آثار حروق الشمس على الجلد، موضحًا أنه كان يعمل مهندسًا وكان يقضي ساعات طويلة خارج المنزل وتحت أشعة الشمس، ما تسبّب في ظهور تسلخات وآثار واضحة في الكتف والوجه واليدين.
وأضاف أنه تلقى العلاج لسنوات في عيادات الجلدية، وتنوعت العلاجات بين الكريمات والليزر والمرطبات، إلا أن فائدتها كانت مؤقتة في كثير من الأحيان.
وقال: «لجأت بعد ذلك إلى عيادات التجميل بهدف علاج وترميم ما تبقى من آثار الحروق، والحمد لله تحسن الجلد بشكل كبير، لكنني أنفقت مبالغ مالية كبيرة خلال رحلة العلاج».
وأوضح أنه أصبح أكثر حرصًا على الوقاية من أضرار الشمس من خلال استخدام واقي الشمس قبل الخروج والإكثار من شرب الماء وترطيب الجلد، مؤكدًا أن حالته أصبحت أفضل من السابق رغم ما أنفقه من مبالغ كبيرة في عيادات التجميل.
ضرورة التوازن بين الجانبين
في المحصلة، تجمع آراء المختصين وتجارب المرضى على أن التطور التجميلي لا يتعارض مع الدور العلاجي لطب الجلدية، لكن التحدي يكمن في الحفاظ على التوازن بين الجانبين، بحيث لا تطغى جاذبية الإجراءات التجميلية وعوائدها وسهولة تسويقها على الوظيفة الأساسية للتخصص. فطبيب الجلدية لا يبدأ عمله بالحقن أو الليزر، وإنما يبدأ بفحص المريض وفهم شكواه والوصول إلى التشخيص الصحيح، ثم اختيار العلاج المناسب، وقد يكون الإجراء التجميلي جزءًا من الحل عندما تدعو إليه الحاجة. ويبقى المعيار الأهم هو أن يسبق التشخيص الإجراء، وأن تسبق مصلحة المريض الاعتبارات التجارية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "


