هناك لحظة يكشف فيها الإنسان عن حقيقته أكثر مما تكشفها سنوات حياته كلها، إنها لحظة الموت.
فالاختلاف مع الإنسان وهو حي أمر طبيعي، والخلاف السياسي والفكري والصراع على السلطة جزء من تاريخ البشر منذ عرف الإنسان الدولة والحكم والصراع على النفوذ، لكن أن يتحول موت الخصم السياسي إلى مناسبة للشماتة والتشفي وإصدار الأحكام عليه في قبره، فهنا نحن لا نناقش خلافًا سياسيًا، وإنما نناقش سقوطًا أخلاقيًا وفكريًا.
الأخطر من ذلك أن يصل الأمر إلى أن يكتب أحدهم وكأنه امتلك مفاتيح السماء، فيقول إن فلانًا ذهب إلى الجنة وإن فلانًا انتقم الله منه وأدخله النار، وكأن بين يديه سجل الحساب الإلهي، وكأنه حصل على تفويض بالحديث عن الغيب.
وهنا أسأل بكل وضوح:
أي مدرسة علمتك أن الموتى يتحولون بعد موتهم إلى أوراق في معركة سياسية؟
ومن أين حصلت على صك الغفران الذي يجعلك تقرر من يدخل الجنة ومن يحرم منها؟
وهل أصبح الخلاف السياسي مقياسًا للحساب عند الله؟
نحن أمام مشهد يعيد إلى الذاكرة عصورًا كان فيها بعض البشر يتحدثون باسم السماء ويمنحون صكوك الغفران ويحكمون على الآخرين بالإيمان والكفر والخلاص والهلاك. وحين يتحول الخطاب الديني إلى أداة في صراع السلطة، يصبح الدين نفسه ضحية لهذا الصراع.
ولذلك فإن الشماتة في الموت ليست شجاعة، وليست انتصارًا سياسيًا، وليست دليلًا على قوة الموقف. إنها في كثير من الأحيان تعبير عن عجز الإنسان عن تجاوز خصومة انتهت بموت صاحبها.
ولنتوقف هنا أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
عمر الذي بشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، لم يكن يتعامل مع هذه البشارة بمنطق الغرور أو امتلاك صك سماوي. بل كان شديد الخوف من الحساب، وكان يخشى أن يكون ما بينه وبين الله أعظم من أن يحكم عليه الإنسان من خلال مكانته أو منزلته.
وهذه هي المفارقة الكبرى.
إذا كان عمر بن الخطاب، بهذه المنزلة، لا يتعامل مع الآخرة باعتبارها ملكية شخصية أو حقًا مكتسبًا بلسانه، فكيف يأتي إنسان بعد قرون ليجلس فوق منصة افتراضية ويصدر أحكامه على مصائر الموتى؟
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه علّم أصحابه ألا يجعلوا الحكم على مصائر الناس لعبة سهلة. وفي الحديث الوارد عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سياق قصة رجل ظُن أنه شهيد ثم ظهر أمره: «لا يدخل الجنة إلا المؤمنون».
المعنى هنا ليس أن الإنسان لا يميز بين الخير والشر أو بين الحق والباطل، وإنما أن الحساب النهائي لله، وأن الإنسان لا ينبغي أن يتعامل مع الغيب وكأنه ملف سياسي مفتوح على مكتبه.
وهنا يأتي ميكافيلي.
رحم الله نيكولو ميكافيلي، ليس لأنه كان داعية إلى الشر كما صوره بعض خصومه، وإنما لأنه حاول أن يفتح الستار عن عالم السلطة وأن يشرح كيف تعمل السياسة عندما تتحول الدولة إلى صراع على القوة والبقاء.
ميكافيلي لم يكن رجل دين ولا صاحب صكوك غفران، وكان كتابه «الأمير» الذي كتب في أوائل القرن السادس عشر، ونُشر بعد وفاته، محاولة لفهم قواعد السلطة في عصر مضطرب.
وقد أثار الكتاب منذ ذلك الوقت جدلًا أخلاقيًا ودينيًا كبيرًا، حتى إن بعض قرائه اتهموا ميكافيلي بأنه يبرر استخدام القوة والخداع والعنف في السياسة.
وتوضح الدراسات الأكاديمية أن الجدل حول علاقته بالدين والأخلاق كان واسعًا، وأن وصفه ببساطة بأنه ملحد أو «داعية للشر» لا يعكس كل الخلافات التاريخية حول فكره.
أما العبارة الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، فهي تلخيص شائع للفكر الميكافيلي وليست جملة حرفية وردت بهذه الصياغة في كتاب «الأمير».
لكن الأهم بالنسبة لنا ليس ميكافيلي نفسه، وإنما السؤال الذي يطرحه عالمه السياسي.
ماذا يحدث عندما يصبح الهدف هو السلطة؟
عندها يمكن أن يتحول الخصم إلى عدو، والعدو إلى شيطان، والشيطان إلى شخص يستحق الإقصاء، ثم بعد موته يتحول قبره نفسه إلى ساحة معركة.
وهنا تبدأ الكارثة.
فالسياسة حين تفقد أخلاقها لا تكتفي بإسقاط الخصم في الحياة، وإنما تريد مطاردته بعد الموت.
وهذا هو أخطر ما في ظاهرة الشماتة بالموتى.
أن يتحول الموت، وهو أعظم لحظة يتساوى فيها البشر، إلى فرصة لاستكمال المعركة السياسية.
قد تختلف مع رجل عاش حياته في السياسة.
قد ترى أنه أخطأ.
قد تختلف مع قراراته.
قد تحمل عليه مسؤولية سياسية أو تاريخية.
قد تكتب نقدًا قاسيًا لسجله.
كل ذلك حق مشروع في مجال السياسة والتاريخ.
لكن أن تتحول إلى قاضٍ على قبره، فتقول إن الله انتقم منه، وإنه دخل النار، وإن مصيره كذا وكذا، فأنت لم تعد تمارس نقدًا سياسيًا.
أنت دخلت منطقة الغيب.
والغيب ليس ملكًا للكاتب ولا للصحفي ولا للسياسي ولا لرجل الدين الذي يستخدمه في معركة سياسية.
ومن يقرأ التاريخ جيدًا يعرف أن صراعات السلطة لم تكن أبدًا بسيطة كما تبدو في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
التاريخ مليء برجال كانوا في يوم من الأيام أبطالًا، ثم تحولوا في رواية خصومهم إلى خونة.
ومليء برجال كانوا أعداء، ثم أصبحوا بعد سنوات جزءًا من التاريخ الوطني.
ومليء بسلطات سقطت، وأشخاص كانوا يظنون أن حكمهم أبدي، ثم لم يبق منهم إلا سطر في كتاب.
وهذا بالضبط ما أتناوله في كتابي الذي ما زال تحت الطبع «الحكم لمن غلب».
فالكتاب ليس عن أشخاص بعينهم بقدر ما هو عن القاعدة القديمة التي حكمت كثيرًا من التاريخ السياسي: الصراع على السلطة لا يكتفي دائمًا بإدارة الدولة، وإنما يسعى أحيانًا إلى كتابة التاريخ من وجهة نظر المنتصر.
المنتصر يكتب الرواية.
والخاسر يتحول إلى متهم.
وبعد سنوات قد تتغير الرواية كلها.
لكن الموت لا ينبغي أن يكون امتدادًا لهذا الصراع.
فالاختلاف مع الميت لا يمنح أحدًا حق إهانته.
والعداء السياسي لا يمنح أحدًا حق الشماتة في أهله أو موته.
والاختلاف الفكري لا يعطي أحدًا مفاتيح الجنة والنار.
والدين أكبر من أن يتحول إلى سلاح في معركة سياسية.
إننا إذا كنا ننتقد عصور القرون الوسطى عندما اختلطت السلطة الدينية بالسياسة، فلا يجوز أن نعيد إنتاج المنطق نفسه بأدوات جديدة.
لا نريد صكوك غفران إلكترونية.
ولا نريد محاكم تفتيش على مواقع التواصل.
ولا نريد كتبة يوزعون الجنة والنار على خصومهم السياسيين.
نريد عقلًا يعرف الفرق بين السياسة والعقيدة، وبين التاريخ والغيب، وبين نقد الرجل وبين التشفي في موته.
وأقول لمن يكتب عن ميت وكأنه ينتصر عليه بعد وفاته:
اقرأ التاريخ أولًا.
اقرأ كيف سقطت الإمبراطوريات.
اقرأ كيف انقلبت موازين السلطة.
اقرأ كيف تغيرت صورة الرجال بعد موتهم.
اقرأ صراع السلطة قبل أن تتحدث عن نهايات الناس عند الله.
فربما تكتشف أنك لا تملك إلا قلمًا يحلل ما فعله الإنسان في الدنيا، أما ما ينتظره بعد الموت فذلك أمر آخر لا يملكه قلمك.
وإذا كان الخلاف السياسي قد علمنا شيئًا، فهو أن السلطة عابرة، وأن المنتصر اليوم قد يصبح موضوعًا لنقد المؤرخ غدًا.
أما الموت فلا ينتصر فيه أحد على أحد.
هناك تسقط كل الألقاب.
يسقط الرئيس والوزير والمعارض والكاتب والسياسي.
ويبقى الإنسان وحده أمام خالقه.
فلا تجعلوا القبور ساحات انتخابات.
ولا تجعلوا الموت فصلًا أخيرًا في معركة سياسية.
ولا تحولوا الدين إلى محكمة غيابية للموتى.
فالشماتة في الموت لا تنتصر على الميت، وإنما تكشف شيئًا عن الحي الذي يشمت.
اقرأ أيضاً
التجاوز في التعبير عن الحب.. واتهام المحبين بالكفر والشرك
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "






