بالبلدي: أطفالنا ليسوا مشاريع استثمارية.. قراءة تعقيبية في طرح الدكتور رضا حجازي حول النجاح الحقيقي

بالبلدي: أطفالنا ليسوا مشاريع استثمارية.. قراءة تعقيبية في طرح الدكتور رضا حجازي حول النجاح الحقيقي
بالبلدي: أطفالنا
      ليسوا
      مشاريع
      استثمارية..
      قراءة
      تعقيبية
      في
      طرح
      الدكتور
      رضا
      حجازي
      حول
      النجاح
      الحقيقي

​تعقيبًا على الطرح التربوي البالغ الأهمية والعمق الذي نشره الأستاذ الدكتور رضا حجازي، رئيس جامعة الريادة ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني السابق، والذي وضع فيه اليد على الجرح الغائر في معظم أسرنا اليوم؛ حين أكد بكلمات صادقة ومباشرة أن "أبناءنا ليسوا مشروعات صغيرة للكبار"، وأن طفولتهم لا ينبغي أن تتحول إلى سباق دائم نحو الدرجات والدروس والبطولات.


​إن هذا الطرح المستنير من قامة تربوية رفيعة يفتح الباب لنقاش مجتمعي وثقافي ملحّ حول بوصلة التربية في مجتمعاتنا، ويطرح علامة استفهام جوهرية: هل صرنا نضحي بحاضر أطفالنا وسلامتهم النفسية باسم حرصنا الشديد على مستقبلهم؟


​وهم "الطفل السوبر" وكلفة الوالدية الإنجازية


​في خضم عالمٍ يركض بسرعة جنونية، تحولت أروقة البيوت إلى ساحات سباق لا تهدأ، وأصبحت الطفولة مقطعة بين جداول الدروس، وحصص التمرين، والبطولات المتلاحقة، والبحث الدائم عن "التميز الكامل". لقد صرنا نتعامل مع أطفالنا بصفتهم "مشروعات استثمارية" ننتظر منها عائدات سريعة ومبهرة في الشهادات والميداليات، ونسينا في منتصف هذا الماراثون الشرس حقيقة تربوية ونفسية جوهرية شدد عليها الدكتور رضا حجازي: إن الطفولة ليست مجرد فترة إعداد وتجهيز للحياة المستقبلية، بل هي جزء أصيل قائم بذاته من الحياة نفسها.


​إن الرغبة الفطرية لدى كل ولي أمر في أن يرى أبناءه في أعلى المراتب أمر مشروع ومفهوم، لكن التحول الذي شهدته المفاهيم التربوية المعاصرة جعل الحث على التفوق يتحول إلى ما يسمى نفسيًا بـ "الوالدية الإنجازية" (Hyper-Parenting). في هذا النموذج، يُقاس قدر الطفل وحب الوالدين له -ضمنيًا- بمستوى درجاته أو عدد الكؤوس التي يحققها.


​هذا الضغط المستمر يخلق ظاهرة يطلق عليها علماء النفس "الإنهاك المبكر" (Childhood Burnout)، حيث يجد الطفل نفسه مكبلًا بجداول زمنية تتجاوز طاقة الكبار، ومحرومًا من حق بسيط: أن يلعب بلا هدف تعليمي مباشر، أن يركض، أن يضحك، أن يسأل دون خوف، وأن يخطئ ليكتشف كيف يصحح خطأه بنفسه.


​ماذا تقول الدراسات والتجارب العالمية؟


​إن تأكيد الأستاذ الدكتور رضا حجازي على حاجة الطفل للعب الحر، والوقت المفتوح، والحوار الأسري الهادئ، ليس مجرد كلام عاطفي أو رفاهية تربوية، بل هو حقيقة علمية مدعومة بعقود من البحث والتجارب الميدانية:


​دراسات بيتر جراي (Peter Gray) وعلم النفس التطوري:


تشير الأبحاث الطويلة التي أجراها عالم النفس الأمريكي البروفيسور بيتر جراي في جامعة بوسطن، ونُشرت في أطروحاته الشهيرة حول "اللعب الحر" (Free Play)، إلى وجود علاقة طردية قاطعة بين انخفاض المساحات المخصصة للعب الحر غير الموجه لدى الأطفال خلال العقود الأخيرة، وارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والقلق والاكتئاب بين الأطفال والمراهقين. يؤكد "جراي" أن اللعب العفوي الخالي من سيطرة الكبار هو المعمل الأول الذي يتعلم فيه الطفل كيف يدير مشاعره، ويحل نزاعاته، ويبني "موقع التحكم الداخلي" (Internal Locus of Control) الذي يجعله واثقًا في قدرته على مواجهة الحياة.


​تجربة فنلندا والتفوق الهادئ:


على الصعيد التطبيقي، تقدم المنظومة التعليمية في فنلندا نموذجًا استثنائيًا؛ حيث لا يلتحق الأطفال بالتعليم النظامي إلا في سن السابعة، وتتخلل اليوم الدراسي استراحات طويلة للعب الحر، وتكاد تنعدم الواجبات المنزلية والامتحانات القاسية في المراحل الأولى. ورغم ذلك، تتصدر فنلندا باستمرار مؤشرات التعليم العالمية (PISA). تجربة فنلندا أثبتت للعالم أن إعطاء الطفل حقه في الطفولة والأمان لا يعطل تفوقه، بل يجعله أكثر شغفًا وقدرة على الاستيعاب والابتكار.


​تقارير جامعة هارفارد حول ضغوط التحصيل:


في دراسة أعدتها كلية التربية بجامعة هارفارد ضمن مشروع "Making Caring Common"، تبين أن الضغط المكثف للوصول إلى الإنجاز الأكاديمي والتميز المطلق يفقد الأبناء قدرتهم على التعاطف والنمو العاطفي المتزن، ويجعلهم يعانون من هشاشة نفسية عالية عند مواجهة أول عثرة أو فشل في حياتهم العملية.


​الأمان العاطفي.. الجسر الحقيقي للنجاح


​إن النجاح الحقيقي والمتوازن -كما أشار الدكتور رضا حجازي- لا يُبنى بالضغط العصبي ولا باستنزاف طاقات الأطفال في سن مبكرة، وإنما يُبنى بطفل يشعر بالأمان والحب غير المشروط. يكتسب الطفل صلابته النفسية من جلسة حوار هادئة مع أسرته، ومن حكاية دافئة قبل النوم تتفتح معها خيالاته، ومن وقتٍ حُرٍ بلا أجهزة إلكترونية أو جداول صارمة، يعيد فيه اكتشاف شغفه الخاص.
​يحتاج أبناؤنا أن يعلموا أننا نحبهم لذواتهم، لا لإنجازاتهم فقط. نحتاج أن نعيد لهم الحق في أن يعيشوا حاضرًا جميلًا وممتعًا، دون أن نرهن سعادتهم اليوم بمستقبل مجهول نصنعه نحن وفق تصوراتنا الخاصة.


​إن الكلمات الصريحة والتوجيهية التي طرحها الأستاذ الدكتور رضا حجازي تعيدنا جميعًا -أولياء أمور ومربين ومؤسسات تعليمية- إلى مربع الحكمة: أن نوازن بين الطموح والإنسانية، وأن ندرك قبل فوات الأوان أن بناء الإنسان السليم نفسيًا وعقليًا يبدأ من احترام مرحلة نموه وبراءته؛ فالطفولة ليست محطة ترانزيت يُنتظر انقضاؤها للدخول في الحياة، بل هي أجمل أجزاء الحياة وأكثرها تأثيرًا في رسم ملامح المستقبل.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" السبورة "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : فيديو | الجزائر تكتسح زامبيا بثلاثية في تصفيات كأس أمم إفريقيا
التالى بالبلدي : عبد الواحد السيد يوجه انتقادًا قويًا إلى حسام حسن بعد تصريحاته بشأن الشناوي

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2