لطالما كنت من الداعمين والمدافعين بقوة عن الهوية المصرية وتراثنا الثقافي والفني، وكتبت في أكثر من مقال مطالبًا بضرورة وضع رؤية واضحة وخطة متكاملة لتوثيق التراث المصري في مختلف المجالات، باعتباره جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية، وثروة لا تقدر قيمتها بمرور الزمن.
لذا، استقبلت بسعادة كبيرة فكرة إنشاء متحف للموسيقى العربية بأكاديمية الفنون، التي طرحتها الدكتورة نبيلة حسن، رئيس أكاديمية الفنون، لتكون هذه المؤسسة الثقافية والفنية مساحة تحفظ جانبًا مهمًا من تاريخ الموسيقى المصرية والعربية، من خلال جمع مقتنيات وآلات ووثائق وذكريات كبار المطربين والموسيقيين والفنانين، وإتاحتها للأجيال الجديدة.
فالموسيقى ليست مجرد ألحان وأغانٍ ارتبطت بذاكرة الناس، وإنما هي جزء من تاريخ المجتمع، تعكس تحولات الحياة المصرية، وتوثق مراحل مهمة من مسيرتنا الفنية والثقافية. ولذلك فإن الحفاظ على أدوات ومقتنيات صناع هذا التاريخ لا يقل أهمية عن الحفاظ على الأعمال الفنية نفسها.
واللافت أن فكرة المتحف لاقت ترحيبًا واسعًا من جانب عدد كبير من الفنانين وأسر الراحلين، الذين بادروا بإهداء مقتنيات شخصية وفنية مهمة، إيمانًا منهم بأن المكان الطبيعي لهذه الكنوز ليس خزائن مغلقة أو مقتنيات بعيدة عن الجمهور، وإنما مؤسسة تحفظها وتوثقها وتقدمها للأجيال القادمة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمشروع، فالمتحف لا ينبغي أن يكون مجرد مكان لعرض مجموعة من الآلات أو المقتنيات، وإنما يمكن أن يتحول إلى مركز حي لذاكرة الموسيقى المصرية والعربية، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الطلاب والباحثين والفنانين والجمهور فرصة للتعرف عن قرب على تاريخ أجيال صنعت وجدان الملايين.
كما أن وجود هذا المتحف داخل أكاديمية الفنون يضيف إليه أهمية خاصة، فالأكاديمية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، وإنما أحد أهم البيوت التي تحتضن المعرفة الفنية والأكاديمية في مصر، وتضم أجيالًا من الطلاب والباحثين والأساتذة في مختلف مجالات الفنون. ومن ثم يمكن للمتحف أن يصبح جزءًا فاعلًا من العملية التعليمية والبحثية، وليس مجرد مساحة للعرض.
وأعتقد أن الخطوة الأهم خلال المرحلة المقبلة هي أن يتسع المشروع ليشمل عمليات توثيق علمي ورقمي للمقتنيات، مع تسجيل قصصها ومراحل انتقالها، وربط كل آلة أو قطعة أو وثيقة بصاحبها وتاريخها وسياقها الفني، حتى لا نحافظ على الأشياء فقط، بل نحافظ أيضًا على الحكايات التي تقف خلفها.
إن إهداء الفنانين وأسرهم لمقتنياتهم للمتحف يحمل رسالة بالغة الأهمية: أن هناك وعيًا متزايدًا بأن التراث مسؤولية مشتركة، وأن حفظه لا يقع على عاتق مؤسسة واحدة، وإنما يحتاج إلى تعاون الفنانين والأسر والمؤسسات الثقافية والأكاديمية والمجتمع كله.
ولهذا فإن متحف الموسيقى العربية بأكاديمية الفنون يمكن أن يمثل خطوة مهمة في طريق استعادة علاقتنا بتراثنا، ليس باعتباره ماضيًا نحتفي به فقط، وإنما باعتباره مصدرًا للمعرفة والإلهام، وجسرًا يصل الأجيال الجديدة بتاريخ فني صنعته أسماء كبيرة وأسهم في تشكيل الوجدان المصري والعربي.
فالتراث الذي لا نوثقه اليوم، قد لا نستطيع استعادته غدًا.. وما نحفظه الآن، نمنحه للأجيال القادمة كجزء من ذاكرتها وهويتها.
اقرأ أيضاً
مسرح الجنوب يعلن عن إعداد «موسوعة المسرح في الجنوب» لتوثيق ذاكرة الحركة المسرحيةبـ«زغاريد الفرح».. ختام مهرجان المسرح الدولي لشباب الجنوب بقنا
في اليوم الرابع.. «تغريب» و«جسور» يضيئان خشبة مهرجان المسرح الدولي لشباب الجنوب بقنا
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





