في لبنان، لا تنتهي الحروب عندما تصمت البنادق، فهناك حرب أخرى تبقى مفتوحة في الذاكرة، وفي الصور، وفي أسماء الذين سقطوا، وفي الروايات التي تصر كل جماعة على أنها وحدها تملك الحقيقة.
لبنان بلد تتعدد فيه الأحزاب والتيارات والطوائف والمشاريع السياسية، لكن هناك شيئاً واحداً يجمع معظم هذه القوى رغم خلافاتها العميقة، وهو أن لكل جماعة شهداءها، ولكل طرف روايته الخاصة عن الدم الذي سال، والإنسان الذي مات، والقضية التي سقط من أجلها.
القوات اللبنانية لها شهداؤها، وحزب الله له شهداؤه، وحركة أمل لها شهداؤها، والكتائب والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي، وكذلك الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة.
كل طرف ينظر إلى موتاه من زاويته الخاصة، لكن اللافت أن اللغة المستخدمة في استدعاء هؤلاء الموتى تبدو في أحيان كثيرة متشابهة.
الوطن
الأرض
السيادة
الكرامة
الحرية
المقاومة
التضحية
الوفاء
الدم
تتغير الرايات والأسماء، لكن المفردات تكاد تكون واحدة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
السؤال ليس فقط من مات، ولا متى مات، ولا في أي معركة سقط، وإنما ماذا حدث لموته بعد أن أصبح جزءاً من الذاكرة السياسية؟
كيف يتحول الإنسان من شخص له حياته وأحلامه وخوفه وتردده وأفكاره إلى صورة معلقة على الجدران، واسم في احتفال سنوي، ورمز سياسي تستدعيه الجماعة كلما احتاجت إلى تأكيد شرعيتها؟
هذه هي المسألة التي تجعل قضية الشهادة في لبنان أكثر تعقيداً من مجرد الحديث عن ضحايا الحرب.
أي لبنان كان في ذهن هؤلاء؟
ربما يكون السؤال الأكثر صعوبة هو هذا
عندما يقول كل طرف إن شهداءه ماتوا من أجل لبنان، فهل كان الجميع يقصد لبنان نفسه؟
التاريخ اللبناني يقول إن الإجابة ليست بهذه البساطة.
فهناك من رأى لبنان دولة ذات سيادة وحدود ومؤسسات، وهناك من رأى القضية اللبنانية جزءاً من صراع عربي أوسع، وهناك من ربط لبنان بمشروع قومي، وهناك من جعل المقاومة في مواجهة إسرائيل جوهر القضية، وهناك من اعتبر أن حماية الدولة لا يمكن أن تنفصل عن احتكارها للسلاح والقرار.
الكلمة واحدة
لبنان
لكن المعنى لم يكن واحداً دائماً.
وهنا تكمن المأساة.
قد يموت شخص وهو مقتنع بأنه يدافع عن وطنه، ثم يأتي بعد سنوات من يعيد تعريف هذا الوطن بطريقة مختلفة تماماً.
وقد يموت آخر في الجهة المقابلة وهو يحمل القناعة نفسها.
كل طرف يرى نفسه صاحب القضية، ويرى تضحياته دليلاً على صحة موقفه، بينما يرى الطرف الآخر التاريخ من زاوية مختلفة.
ولهذا فإن دماء الذين رحلوا تحولت في أوقات كثيرة إلى جزء من الصراع بدلاً من أن تكون جسراً للخروج منه.
حين يصبح الدم حجة
في السياسة، لا توجد قوة أكبر من ذاكرة الضحايا عندما تتحول إلى شرعية.
الجماعة التي تقول إنها قدمت أبناءها من أجل قضية ما لا تتحدث فقط عن الماضي، وإنما تقدم تضحياتها باعتبارها دليلاً على حقها في الحاضر.
نحن ضحينا إذن نحن أصحاب الحق.
هذه المعادلة قد لا تُقال بهذه الصورة المباشرة، لكنها حاضرة في كثير من الخطابات السياسية.
وهنا يصبح الشهيد أكثر من إنسان رحل.
يتحول إلى سلطة رمزية.
كل اعتراض على موقف الجماعة يمكن أن يُفسر باعتباره تقليلاً من قيمة التضحيات، وكل محاولة لتغيير المسار قد تواجه بسؤال مؤلم
وماذا عن دماء الذين ماتوا؟
وبذلك يستطيع الماضي أن يفرض نفسه على الحاضر.
فالطريق الذي دفع الناس حياتهم ثمناً له يصبح من الصعب مراجعته، حتى لو تغيرت الظروف التي أدت إلى سلوك هذا الطريق.
وهنا تكمن خطورة توظيف الشهادة سياسياً.
ليس لأن التضحية غير حقيقية، ولا لأن كل من مات كان مخدوعاً، وإنما لأن الإنسان الذي مات لا يستطيع أن يشرح لنا بعد رحيله ماذا كان يقصد بالضبط.
الموت حقيقة.. أما معنى الموت فيُصنع
الموت واقعة تاريخية يمكن البحث فيها.
من قتل؟
متى؟
أين؟
كيف؟
ولماذا؟
لكن تحويل هذا الموت إلى شهادة يحمل معنى آخر.
فبعد رحيل الإنسان تبدأ عملية إعادة بناء صورته.
تُجمع صوره، وتُروى سيرته، وتُستعاد كلماته، وتُختار من حياته تفاصيل معينة، بينما قد تختفي تفاصيل أخرى لا تتناسب مع الصورة الجديدة التي تريد الجماعة تقديمها.
وفي النهاية يظهر أمام الناس شهيد كامل لا يشبه بالضرورة الإنسان الذي كان يعيش بينهم.
إنسان بلا خوف
بلا تردد
بلا أخطاء
بلا أسئلة
وهذا التحول مفهوم من الناحية السياسية والنفسية، لأن الجماعات تحتاج إلى رموز، والرموز تحتاج إلى صورة واضحة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من الإنسان.
فالشهيد قبل أن يكون رمزاً كان أباً أو ابناً أو أخاً أو صديقاً.
كان له بيت وذكريات وأحلام.
وكان له رأي ربما تغير، أو سؤال ربما لم يجد له إجابة.
إعادة الإنسان إلى إنسانيته لا تنتقص من احترامه، بل ربما تكون هي الشكل الأكثر صدقاً لاحترامه.
من يملك حق الكلام باسم الموتى؟
هذه واحدة من أخطر الأسئلة في التاريخ اللبناني.
من يملك تفسير موت الإنسان؟
الحزب الذي قاتل في صفوفه؟
العائلة التي عاش بينها؟
الدولة التي تعتبره جزءاً من تاريخها؟
الطائفة التي ينتمي إليها؟
أم الوثائق والشهادات التي تركها قبل رحيله؟
المشكلة أن الموت يغلق باب التصحيح.
الحي يستطيع أن يقول لم أفعل ذلك، أو لم أقصد هذا، أو أنتم فهمتم كلامي خطأ.
أما الميت فلا يستطيع.
ولهذا فإن من يسيطر على ذاكرة الميت يستطيع أحياناً أن يجعله يتحدث بعد موته بما يخدم رواية سياسية لم يعد قادراً على الاعتراض عليها.
وهنا تصبح المعركة على الذاكرة أخطر من مجرد معركة على الماضي.
إنها معركة على الحاضر والمستقبل.
لبنان.. ذاكرات متعددة ووطن واحد
المفارقة اللبنانية أن الجميع تقريباً يتحدث عن الوطن، لكن كل جماعة تحمل في داخلها صورة مختلفة لهذا الوطن.
وهكذا نشأت ذاكرات متوازية.
كل جماعة لها أبطالها وشهداؤها ومقابرها ومناسباتها وأغانيها وصورها.
وقد يكون الرجل الذي تراه جماعة ما شهيداً وبطلاً، هو نفسه في ذاكرة جماعة أخرى جزء من الجهة التي قاتلتها.
وهنا لا يمكن للمؤرخ أن يضع الجميع في سلة واحدة.
فالأحداث ليست متساوية، والجرائم ليست متساوية، وأسباب الحروب ليست واحدة، والظروف التاريخية تختلف من مرحلة إلى أخرى.
لكن ما يمكن دراسته هو الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الموت داخل الوعي السياسي.
وهنا نكتشف أن الخصوم قد يختلفون في كل شيء، لكنهم أحياناً يستخدمون الأدوات نفسها لبناء روايتهم.
صورة الشهيد
قصة التضحية
دماء الرفاق
ذاكرة المعركة
ثم تحويل كل ذلك إلى شرعية سياسية.
عندما تتحول الشهادة إلى ساحة للصراع
في لبنان، لم يعد الصراع دائماً حول الأرض أو السلاح أو السلطة.
هناك صراع آخر على من يملك حق تعريف التضحية.
من ضحى أكثر؟
من كان على حق؟
من دفع الثمن؟
من يملك التاريخ؟
لكن المشكلة أن تحويل الشهداء إلى أدوات في الصراع السياسي قد يؤدي في النهاية إلى ظلمهم مرة أخرى.
فالإنسان الذي مات من أجل قضية يظل اسمه حاضراً، لكن القضية نفسها قد تتغير.
والتحالفات قد تتبدل.
والأعداء قد يصبحون حلفاء.
والحلفاء قد يصبحون خصوماً.
أما صورة الشهيد فتظل ثابتة في مكانها.
وهنا يظهر السؤال
هل يجوز أن نبقى أسرى لقرارات اتخذها أناس رحلوا في ظروف مختلفة، لمجرد أن دماءهم أصبحت جزءاً من شرعية سياسية؟
هذا السؤال لا ينتقص من الشهداء، بل يعيد المسؤولية إلى الأحياء.
من تحرير الموتى إلى تحرير الذاكرة
ربما يكون المطلوب في لبنان اليوم ليس الاتفاق على شهيد واحد، ولا محاولة إلغاء شهداء طرف لحساب طرف آخر.
المطلوب هو تحرير الذاكرة من الاحتكار.
أن نعرف كيف مات الناس قبل أن نسأل كيف تم توظيف موتهم.
أن نبحث عن الوثيقة قبل الخطبة.
وعن الحقيقة قبل الصورة.
وعن الإنسان قبل الرمز.
أن نقرأ الحرب اللبنانية بكل تناقضاتها، لا من خلال رواية واحدة مغلقة.
فلبنان لن يستطيع بناء ذاكرة وطنية حقيقية إذا ظل كل طرف يعيش داخل مقبرة ذاكرته الخاصة.
ولا يمكن أن يصبح الوطن واحداً بينما يظل تاريخ الموت مقسماً بين روايات متصارعة لا تريد أن تسمع بعضها البعض.
السؤال الذي لا يزال مفتوحاً
ربما لا يكون السؤال الحقيقي
من هو الشهيد، وإنمامن الذي يملك حق تفسير موته؟
فكل من مات ترك وراءه عائلة ورفاقاً وذاكرة، لكنه ترك أيضاً فراغاً لا يستطيع هو نفسه أن يملأه بالكلمات.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المؤرخ والصحفي والباحث.
أن يفصل بين الحدث والرواية.
بين الموت ومعناه.
بين الإنسان والصورة التي صنعتها الجماعة عنه.
فإذا كان الجميع قد ماتوا من أجل لبنان كما تقول رواياتهم المختلفة، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً
أي لبنان كان في ذهن كل واحد منهم؟
ولماذا ظل اللبنانيون بعد كل هذه الدماء مختلفين حتى اليوم على معنى الوطن نفسه؟
ربما تكون الإجابة هي المدخل الحقيقي لفهم لبنان.
فالأوطان لا تُبنى فقط على عدد من ضحوا من أجلها، وإنما على قدرة الأحياء على أن يمنعوا دماء الموتى من أن تتحول إلى سبب جديد للانقسام.
«محمد سعد عبد اللطيف، كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية»
اقرأ أيضاً
القوة الناعمة في مواجهة رواية الاحتلال الإسرائيليالقوة الناعمة في مواجهة رواية الاحتلال الإسرائيلي
آل روتشيلد.. من زقاق فرانكفورت إلى عالم المال والسياسة وقناة السويس ووعد بلفور
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "




