بالبلدي: كود المقابر وصناعة الفرق بين الأموات والأحياء

بالبلدي: كود المقابر وصناعة الفرق بين الأموات والأحياء
بالبلدي: كود المقابر وصناعة الفرق بين الأموات والأحياء
whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

استوقفني خبر منشور من حساب المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة الجوف على منصة «إكس» عن مبادرة الحفاظ على نظافة مقبرة القرعاء في منطقة الجوف بمشاركة عدد من المتطوعين في المنطقة.

لا أعرف في الحقيقة إن كان اهتمام المكتب الاستراتيجي بهذه المبادرة نابع من تعزيز ثقافة العمل التطوعي، أم نابع من الاهتمام والعناية بالمقابر ذاتها التي يعاني بعضها من العشوائية والتشوهات داخل أسوار المقابر وخارجها. بكل الأحوال أسجل شكري للمتطوعين وللمكتب الاستراتيجي على المبادرة الفريدة، مع التأكيد على أن نظافة المقابر يجب ألا تكون موسمية، ولا بد أن تتولاه جهة رسمية على مدار العام.

نتحدث كثيراً عن جودة الحياة، ربما حان الوقت لنتحدث أيضاً عن جودة المكان في لحظة الموت. فالمقبرة ليست مجرد مساحة لدفن الموتى، بل مرفق إنساني واجتماعي وديني يمر به كل مجتمع، ويقف فيه الإنسان في واحدة من أصعب لحظات حياته.

يوجد بالفعل دليل فني لإنشاء وترميم المقابر، وهو دليل سارٍ يضع الحد الأدنى من المتطلبات والمعايير الفنية لإنشاء المقابر وترميمها. لكن واقع كثير من المقابر يتطلب مراجعة ربما مشروع (كود المقابر) ليس باعتبارها أرضاً وأسواراً وقبوراً فحسب، وإنما باعتبارها مرفقاً إنسانياً متكاملاً من خلال جودة الخدمات والنظافة وانسيابية التنظيم، وإزالة التشوهات البصرية وكافة أنواع التشوهات.

في كثير من مناطق المملكة تصل درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، وقد يقف أهل المتوفى والمشيعون والمعزون وقتاً طويلاً تحت الشمس. فلماذا لا تشتمل المقابر على مساحات انتظار واستقبال خارج نطاق القبور أو في المواقع المسموح بها شرعاً، مزودة بمظلات موحدة التصميم تحمي كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة من الشمس والظروف الجوية؟ المظلة ليست ترفاً معمارياً، وإنما خدمة إنسانية، على أن يكون موقعها وتصميمها متفقين مع حرمة المكان شرعياً وتنظيمياً.

هناك حاجة للإضاءة تراعي الضرورات التي تحتّم الدفن ليلاً، وهذا يتطلب تصميم منظومة إضاءة وظيفية للمداخل والمواقف والمباني الخدمية ونقاط الاستقبال، بما يحقق السلامة دون المساس بهيبة المكان ووقاره.

كما أن هناك حاجة للترقيم الجغرافي والرقمي المنظم للقبور التي تفتقد للترقيم حتى الآن بما يتيح خدمة الاستعلام عن قبر المتوفى وموقعه عبر المنصة. بحيث يصبح لكل مقبرة رقم، ولكل قطاع رمز، ولكل صف رقم، ولكل قبر معرّف رقمي مرتبط بقاعدة بيانات رسمية فيستطيع ذوو المتوفى الوصول إلى موقع القبر بسهولة.

كما أن طبيعة الطقس الحار والشكل العام لكل مدينة ربما يقتضي دراسة فكرة التشجير المناسب حول المقابر ومرافقها الخارجية ومواقفها ومداخلها وفق الضوابط الشرعية والفنية والبيئية ودون أن تتحول الأشجار إلى عائق أمام الدفن أو سبب في الإضرار بالقبور.

المطلوب ليس زخرفة القبور وتجميلها، وإنما تحسين البيئة المحيطة بالمقبرة، وتخفيف الحرارة والغبار، وإزالة التشوهات البصرية عن الأسوار والمداخل والمرافق بما يحفظ وقار المكان، فسور المقبرة في نهاية الأمر هو جزء من هوية المدينة. هناك حاجة لتعميم نموذج موحد لأسوار المقابر ومداخلها والقضاء على التفاوتات الكبيرة في مستويات الأسوار والبوابات والمداخل التي قد يسمح بعضها بدخول الحيوانات البرية للمقابر.

المقبرة مرفق عام ينبغي أن تخضع لنظافة مستمرة ومكافحة الحشرات والقوارض ومعالجة تجمعات المياه وصيانة الأسوار والبوابات والمواقف وإزالة الأعشاب والمخلفات مع وجود فرق تشغيل وصيانة بعقود ومستويات خدمة قابلة للقياس والمحاسبة، شريطة ألا يتحمل المواطن أي تبعات مالية.

لحظة الوفاة لا يحتاج أهل الميت إلى مزيد من الأعباء. ولذلك يمكن أن يحدد الكود في المقابر الكبيرة منطقة خدمة خارج نطاق الدفن توفر بصورة بسيطة ومنظمة مياه الشرب والقهوة ومقاعد لكبار السن ومرافق لخدمة ذوي الإعاقة. لا ينبغي أن تتحول هذه الخدمة إلى صالات عزاء أو باب جديد للمباهاة الاجتماعية. لا يفوتني الإشارة إلى أهمية أن تسهم الجمعيات الأهلية المتخصصة بتنظيم وتمويل هذه المبادرة من خلال كوادرها.

ما أقترحه قد يكون بعضه موجوداً في بعض المقابر، وهو ليس بدعاً أو تغييراً في مفهوم المقابر الإسلامية ولا إدخال مظاهر تتعارض مع بساطتها، بل هو يفصل تماماً بين حرمة القبر وبين جودة الخدمات المحيطة به.

باختصار يمكن إجمال مقترح (كود المقابر) بما يلي: التخطيط والتنظيم لمداخل المقابر، المواقف، الأسوار، المظلات، مناطق انتظار أهل المتوفى والمشيعين والمعزين، مرافق كبار السن وذوي الإعاقة، النظافة والصيانة، التشجير الخارجي، الضيافة الأساسية، إدارة الجنائز والحشود، السلامة، والترقيم والخرائط الرقمية للقبور، مع إخضاع كل ذلك للضوابط الشرعية، ومراعاة أن يتم تصنيف المقابر بحسب حجم المدن وأعداد السكان، فلا تُعامل مقبرة قرية صغيرة بالطريقة نفسها التي تعامل بها مقبرة مدينة تستقبل آلاف الجنائز سنوياً.

أخيراً، إن المقبرة المنظمة والنظيفة والآمنة ليست ترفاً، ولا تجميلاً للموت، إنها ببساطة احترام للإنسان حياً وميتاً.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة عكاظ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: محافظ المنوفية يشهد حملة مكبرة لإزالة التعديات على الأراضي الزراعية بطريق قويسنا–شبين الكوم
التالى بالبلدي: السيسي يوجه بضوابط امتحانات البكالوريا.. ويشدد على تدريس العربية والتاريخ والتربية الدينية

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان