أخبار عاجلة

بالبلدي: محمد مازن يكتب من بكين: لماذا شدني أكل «مطعم التنين»

بالبلدي: محمد مازن يكتب من بكين: لماذا شدني أكل «مطعم التنين»
بالبلدي: محمد
      مازن
      يكتب
      من
      بكين:
      لماذا
      شدني أكل
      «مطعم
      التنين»

نادرًا ما يشدني فيلم صيني.
خلال ما يقرب من خمسة عشر عامًا عشتها في الصين، أستطيع أن أعد الأفلام الصينية التي شاهدتها على أصابع اليد الواحدة، وربما أبالغ قليلًا إذا قلت إنني لم أكن أتابع السينما الصينية من الأساس. لم يكن الأمر موقفًا منها، ولا رفضًا لها، وإنما ببساطة لم تكن هناك علاقة نشأت بيني وبينها.
ولشخص مثلي ولد وترعرع في منطقة الشرق الأوسط، ثم تشكل وعيه البصري، في جزء كبير منه، تحت تأثير السينما الغربية، وخصوصًا هوليوود، يبدو الأمر مفهومًا إلى حد كبير. تعودت على سردية مختلفة، وعلى أفلام الحركة والخيال العلمي، وعلى الأبطال الذين ينقذون العالم في اللحظة الأخيرة، وعلى المدن التي تنفجر والشخصيات التي تعود من الموت، وعلى تلك اللغة السينمائية التي جعلت من هوليوود، بالنسبة إلى أجيال كاملة، المرجعية الأولى لفكرة «الفيلم الكبير».
ثم جئت إلى الصين.
وخلال سنواتي الأولى هنا، ظلت علاقتي بالسينما الصينية شبه معدومة. أعيش بالقرب من دور السينما، لكن قرب المكان لم يكن يعني شيئًا. كنت أذهب أحيانًا لمشاهدة فيلم أجنبي، رغبة أو إلحاحًا من أولادي، بينما بدت السينما الصينية بالنسبة إليّ عالمًا بعيدًا لا أعرف لغته ولا ذائقته ولا مفاتيحه.
كانت اللغة حاجزًا، والذاكرة السينمائية ضعيفة أو شبه معدومة، والأهم أنه لم يكن هناك دافع حقيقي لكسر هذا الحاجز.
لكن ربما لأنني شخص يميل بطبيعته إلى كسر العادات والقواعد، قررت هذه المرة أن أجرب شيئًا مختلفًا.
ذهبت لمشاهدة «مرحبًا بكم في مطعم التنين»، بعد أن أبلغني ابني أن طفلًا مصريًا من معجبيه اسمه «عمر شريف» يشارك فيه.
قبل دخولي القاعة، تسابقت في ذهني أفكار نمطية ما دام اعتادت أن تحصر السينما الصينية في نطاق ضيق.
وللمفارقة، لم أشعر وأنا أشاهد الفيلم أنني أمام فيلم صيني بالمعنى الذي كنت أتصوره. نعم، الفيلم من إخراج المخرج الصيني ون موييه، الذي يميل إلى الأعمال الواقعية، وإنتاج صيني، لكن اللغة لم تكن كلها صينية، والممثلون لم يكونوا جميعًا صينيين. أما الحكاية نفسها، فكانت أبعد مما توقعت.
لم تكن «بروباغندا».
ربما لأن الفيلم لم يحاول أن يجعل جغرافيا المكان هي بطله.
وتدور الأحداث في منطقة شرق أوسطية خلال أجواء حرب عام 2003، وهي جغرافيا يمكن لأي شخص من منطقتنا أن يجد فيها شيئًا مألوفًا. لكن المثير أن الفيلم، رغم انطلاقه من هذه المنطقة، لا يعتمد على معرفة المشاهد بتاريخها أو تفاصيلها السياسية لكي يفهمه.
ببساطة، لأن «الرسالة أقوى من جغرافيا المكان»، كما لخصها لي محمد أسامة، مؤسس شركة «دراجون بريدج ميديا»، التي لعبت دورًا مؤثرًا في تنسيق اختيار الممثلين العرب واللوجستيات وبعض المشاهد التي صورت في مصر.
في البداية، يبدو الأمر وكأنه حكاية طاهٍ صيني يسافر إلى الشرق الأوسط بحثًا عن المال. «شو فو» لا يريد أن يصبح بطلًا، ولا يحمل مشروعًا لإنقاذ العالم. يريد شيئًا أكثر تواضعًا: أن يعمل، ويسدد ديونه، ويعود إلى حياته.
ثم تندلع الحرب.
وفجأة يصبح السؤال مختلفًا.
لم يعد الأمر يتعلق بكيفية كسب المال، وإنما بكيفية الحفاظ على الإنسان في مكان يفقد فيه الناس كل شيء تقريبًا.
وهنا تأتي عبقرية الفيلم في اختيار الطعام بوصفه مدخلًا إلى الحرب، بدلًا من اختيار السلاح.
الحرب موجودة في كل مكان، لكن كاميرا ون لا تتوقف طويلًا عند المعارك. ما يهمها هو ما يحدث للناس عندما تنتهي أصوات الانفجارات مؤقتًا: ماذا يأكلون؟ أين ينامون؟ ماذا يفعل الأطفال؟ وكيف يحافظ الإنسان على شيء طبيعي في حياة أصبحت غير طبيعية؟
ومن هنا يصبح «مطعم التنين»، بأشخاصه، الطاهي الذي لعب دوره البارع شن تنغ، والطفل المصري الموهوب عمر شريف، وغيرهم، ومكوناته: القدر، والملعقة، والموقد، مساحة صغيرة تحاول أن تستعيد شيئًا من العالم الذي دمرته الحرب.
هناك، يجلس أشخاص مختلفون حول مائدة واحدة. جنسيات مختلفة، وخلفيات مختلفة، وأشخاص تقف بينهم أحيانًا حواجز أكبر من مجرد اللغة. لكنهم جميعًا يعرفون شيئًا واحدًا: أنهم جائعون.
وهنا تصبح عبارة «اقعد كويس وكل عدل» أكثر عمقًا مما تبدو عليه.
في الحياة الطبيعية، قد تكون جملة عابرة. أما في الحرب، فهي أمنية.
أن تستطيع أن تجلس، وأن تجد طعامًا، وأن تأكل دون أن تخاف من سقوط قنبلة فوق رأسك، وأن يعود أطفالك إلى المنزل، وأن تنام وأنت لا تعرف هل ستستيقظ غدًا أم لا.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي جعلت الفيلم قريبًا مني، وربما من أي شخص عاش في منطقة تعرف معنى الحرب، حتى لو لم يعشها بنفسه مباشرة.
والأهم أن الفيلم لا يصنع من شخصياته ملائكة وشياطين.
«شو فو» نفسه ليس بطلًا منذ البداية. هو رجل عادي، لديه أنانيته وحساباته ومخاوفه، ويحاول في البداية أن يبقى بعيدًا عن الحرب. لكنه يكتشف بالتدريج أن الحرب لا تسأل الإنسان إن كان يريد المشاركة فيها.
يمكنك أن تحاول الابتعاد عنها، لكنها قد تصل إليك من خلال شخص تحبه، أو طفل تراه، أو صديق أو حبيب يسقط أمامك.
وهنا يبدأ التحول.
ليس تحول البطل الخارق، وإنما تحول الإنسان العادي.
وهذا تحديدًا ما جعلني أتوقف أمام الفيلم.
لطالما قدمت السينما الغربية الحرب من خلال الضابط والجندي والعميل والمهمة الكبرى وإنقاذ العالم. أما «مرحبًا بكم في مطعم التنين» فيسأل سؤالًا أبسط وأكثر إزعاجًا: ماذا يفعل الإنسان العادي عندما تدخل الحرب إلى مطبخه؟
ربما تكون الإجابة هي كل الفيلم.
ففي لحظة ما، يتحول المطبخ إلى جبهة أخرى، لكن أدواتها ليست البنادق. هناك قدر، وسكين، وملعقة، ونار، وطعام.
وفي مواجهة عالم يريد أن يحول الإنسان إلى رقم في قائمة الضحايا، يصبح إعداد وجبة ساخنة فعلًا من أفعال المقاومة الإنسانية.
وهذا هو السبب الذي جعلني أرى الفيلم بعيدًا عن كونه مجرد فيلم صيني يتناول حربًا في الشرق الأوسط.
إنه فيلم عن الإنسان عندما تسقط عنه كل العناوين الكبيرة.
لا يهم إن كان صينيًا أو عربيًا أو أمريكيًا. لا يهم إن كان مسلمًا أو مسيحيًا أو من أي خلفية أخرى. عندما يجوع الإنسان، يصبح الطعام لغة. وعندما يخاف، يبحث عن الأمان. وعندما يرى طفلًا مهددًا، يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا.
وربما لهذا السبب أيضًا لم أشعر بأن الفيلم يفرض عليّ سردية صينية عن الشرق الأوسط.
لقد وجدت نفسي أمام حكاية إنسانية تتحدث عن المنطقة، لكنها لا تنتمي إليها وحدها.
وهذه نقطة مهمة في رأيي.
فالفيلم الصيني الذي تدور أحداثه في الشرق الأوسط لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون فيلمًا «عن الشرق الأوسط». يمكن أن يكون فيلمًا عن الإنسان، وقد وجد في الشرق الأوسط المكان المناسب ليحكي قصته.
ومن هذه الزاوية، يصبح حضور الشخصيات العربية (22 ممثلًا) في الفيلم أكثر أهمية. فوجود عمر شريف، وشريف صبحي، وفاروق محمد، وأحمد سليم، ونيرة، وأحمد جابر وغيرهم، ليس مجرد إضافة إلى قائمة الممثلين، وإنما جزء من النسيج الإنساني للعمل، خصوصًا أن الشخصيات التي يقدمونها تنتمي إلى قلب البيئة التي تدور فيها الأحداث، وتحمل كل منها وجهًا مختلفًا من وجوه الحرب.
لكن ما بقي معي بعد انتهاء الفيلم لم يكن الحرب، ولا الانفجارات، ولا حتى تفاصيل المكان.
كانت المائدة.
ربما لأن أعظم ما يقوله الفيلم لا يحدث عندما يتحدث أحد أبطاله عن السلام، وإنما عندما يجلس الناس ليأكلوا.
هناك، يصبح السلام شيئًا ملموسًا.
طبق على الطاولة. كرسيًا بجوار شخص آخر. طفلًا يضحك. وطاهيًا يحاول أن يصنع حياة طبيعية في عالم فقد طبيعته.
خرجت من الفيلم وأنا أفكر في شيء بسيط: كم نحتاج إلى السلام حتى نعتبر الأشياء العادية عادية؟
أن نأكل دون خوف. أن نعود إلى بيوتنا. أن يكبر الأطفال دون أن يعرفوا صوت القذيفة. أن يكون أكبر همنا هو طعم الطعام، لا البحث عن مكان آمن.
ربما لهذا السبب نجح الفيلم في أن يفعل ما لم تستطع عشرات الأفلام الصينية أن تفعله خلال سنوات طويلة.
لقد جعلني أنظر إلى السينما الصينية من نافذة مختلفة.
اكتشفت أنني لم أكن بحاجة إلى أن أعرف تاريخ السينما الصينية كله، ولا أن أكون متخصصًا في أفلامها، ولا حتى أن أفهم كل تفاصيل ثقافتها.
كنت فقط بحاجة إلى حكاية إنسانية جيدة.
وهنا تكمن قوة «مرحبًا بكم في مطعم التنين».
الرسالة أقوى من جغرافيا المكان، والإنسان أقوى من الحدود، والمائدة، بإطارها الجامع لكل الثقافات والأيديولوجيات، في النهاية قد تكون أحيانًا أقوى من الحرب.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" النبأ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: “سيبونا ننزل ألبوم بلبلة”.. جاد شويري يمازح أحمد سعد وعمرو دياب وتامر حسني
التالى بالبلدي : بطولة يسار لمغاري.. فيلم “ماي فراند” يتصدر شباك التذاكر بمداخيل تجاوزت 13 مليون درهم

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا