لا يوجد فحص طبي يُفسر اضطراب الدماغ والذي يؤدي إلى عدم القدرة على المشي دون السقوط، أو ارتعاش الساق المستمر، أو سبب معاناتهم من نوبات تُنهكهم لساعات، بل لأيام، حيث يبدأ البعض بالتساؤل عما إذا كانوا يتوهمون الأمر حقًا.
فهم اضطراب الدماغ العصبي الوظيفي
كل حركة تقوم بها، وكل إحساس تشعر به، وكل عاطفة تختبرها، تبدأ من دماغك، حيث لم يكن السؤال يومًا ما إذا كان الدماغ مُشاركًا في إحداث الأعراض الجسدية المُزعجة للاضطراب العصبي الوظيفي، بل كيف.
وتشير دراسات تصوير اضطراب الدماغ إلى أن الشبكات المسؤولة عن الحركة، والانتباه، والعاطفة، والوعي الجسدي، والمعالجة الحسية، تتواصل باستمرار فيما بينها، وبدلًا من أن تعمل هذه الشبكات بشكلٍ مُستقل، فإنها تعمل معًا لتكوين الأفكار، والإدراكات، والأفعال.
كيف تتواصل هذه الشبكات الدماغية، وكيف تسوء أحيانًا، هو أحد الأسئلة المحورية التي يُحاول الباحثون الإجابة عنها فيما يتعلق بالاضطراب العصبي الوظيفي.
وإحدى النظريات الرائدة التي تُساعد في تفسير هذه الحالة تُعرف باسم المعالجة التنبؤية. بدلًا من مجرد التفاعل مع العالم المحيط، تقترح هذه النظرية أن الدماغ يقوم باستمرار بالتنبؤات. فهو يجمع بين الخبرات السابقة والمعلومات من البيئة المحيطة والإشارات من داخل الجسم لتكوين تجاربنا اليومية.
تخيل صعودك درجًا. أنت لا تحسب بوعي مكان وضع كل قدم أو العضلات التي يجب قبضها. دماغك يتنبأ بالحركة قبل أن تقوم بها. وفي معظم الأحيان، تكون هذه التنبؤات دقيقة للغاية.
وعندما تصل معلومات جديدة إلى الدماغ، يقارنها بتوقعاته أو تنبؤاته السابقة - التي تشكلت من خلال الخبرات الحالية والسابقة - بالإضافة إلى الإشارات من الجسم. إذا لم تتطابق المعلومات الجديدة التي يتلقاها، يقوم الدماغ بتحديث تنبؤاته، حيث يُطلق العلماء على هذا عدم تطابق التنبؤ، ويعتقد الباحثون أن اضطراب عملية التحديث هذه قد يكون أحد الآليات الكامنة وراء هذا الاضطراب العصبي.
وعلى الرغم من عدم وجود سبب واحد للاضطراب العصبي الوظيفي، إلا أن عوامل مثل الإصابة أو المرض أو الألم أو الإجهاد الشديد قد تجعل الدماغ أكثر عرضة للاعتماد على التنبؤات السابقة بدلًا من المعلومات الجديدة. إذا أولى الدماغ أهمية مفرطة للتوقعات المسبقة أو إشارات جسدية معينة، فقد يُصعّب ذلك تعديل التوقعات استجابةً للمعلومات الجديدة.
على سبيل المثال، بعد التئام إصابة ما، قد يستمر الدماغ في توقع أن حركة أو نشاطًا ما غير آمن. وهذا قد يُسهم في ضعف مستمر أو صعوبة في المشي رغم عدم وجود أي ضرر مستمر في الجسم. والنتيجة هي أعراض لا إرادية، حقيقية جسديًا، ومُعيقة بشدة، حتى مع عدم وجود أي تلف في الدماغ أو الجهاز العصبي.
تاريخ الاضطراب العصبي الوظيفي
يمثل فهمنا الحالي للاضطراب العصبي الوظيفي، باعتباره انفصالًا بين الدماغ والجسم، تحولًا جذريًا عن كيفية تصور الأطباء والباحثين للدماغ خلال القرن الماضي.
في مراحل مختلفة من التاريخ، سُميت هذه الحالة بالهستيريا أو اضطراب التحويل، وقد تم تصنيفها على أنها "نفسية المنشأ"، أي أنه كان يُعتقد أن الأعراض تنشأ في المقام الأول من عوامل نفسية وليست تغيرات بيولوجية في الدماغ. وقد عكس كل اسم أفضل تفسير طبي متوفر في ذلك الوقت، ولكنه لم يُمثل ما كان الناس يعانون منه بالفعل.
العديد من الأعراض التي تُعرف الآن كجزء من هذا الاضطراب كانت تُعزى في المقام الأول إلى الحالة العاطفية والنفسية للنساء، ثم تم تجاهلها لاحقًا، وتعكس هذه التفسيرات ثغرات وتحيزات أوسع في كيفية تعامل الأطباء مع مشاكل صحة المرأة عبر التاريخ، مما ساهم في عقود من الوصم وسوء الفهم حول الاضطراب العصبي الوظيفي.
ومع تقدم علم الأعصاب، بدأ الباحثون يدركون أن الأعراض قد تنشأ عن تغيرات في وظائف الدماغ، وليس عن تغيرات مرئية فيه، كالإصابات أو التشوهات التي تُرى عبر التصوير الدماغي. وتركز النماذج الحالية بشكل أكبر على شبكات الدماغ والعلاقة الديناميكية المترابطة بين الدماغ والجسم والبيئة.
ما مدى شيوع الاضطراب العصبي الوظيفي؟
الاضطراب العصبي الوظيفي أكثر شيوعًا مما يظن الكثيرون، حيث أشارت مراجعة أجريت عام ٢٠٢٥ إلى أن ما يصل إلى ٥ ملايين شخص يعانون من هذه الحالة، وتظهر الأعراض على مختلف الفئات العمرية. ويُقدّر الباحثون أن معدلات الوفيات بين المرضى المصابين بهذه الحالة تزيد عن ضعف مثيلاتها في عموم السكان.
ومع ذلك، ورغم شيوعها، لا يزال الوصول إلى الرعاية المتخصصة محدودًا. وتُعاني هذه الحالة من نقص حاد في العلاجات، يُعزى ذلك على الأرجح إلى عدم التوازن بين العرض والطلب على المتخصصين، ومحدودية التمويل. ويتلقى العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية تدريبًا رسميًا ضئيلًا أو معدومًا حول الاضطراب العصبي الوظيفي خلال فترة تدريبهم.
ويُعدّ تأخر التشخيص أحد عواقب سوء فهم هذه الحالة، وكثيرًا ما يُقال للمرضى إنهم يبالغون، أو يدّعون الأعراض، أو يسعون لجذب الانتباه، أو أن كل شيء "مجرد قلق". لا تُسهم هذه المفاهيم الخاطئة في ترسيخ وصمة العار المحيطة بالمرض فحسب، بل تُؤخر أيضًا العلاج المناسب وتُعرّض المرضى لتدخلات طبية غير ضرورية.
وتُعدّ الصدمات النفسية والقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة أكثر شيوعًا بين المصابين بهذا الاضطراب، ولكن يُصاب به الكثيرون دون أي تاريخ من الصدمات، حيث تلعب العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية دورًا هامًا، مما يُبرز عدم وجود مسار واحد يؤدي إلى هذه الحالة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "




