تحليل بقلم آرون بليك
(CNN)-- عندما نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريراً الأسبوع الماضي يفيد بأن 4 حالات وفاة حديثة في صفوف القوات الأمريكية ضمن الحرب على إيران اختفت فجأة من الموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع (البنتاغون) المخصص للإبلاغ عن الخسائر البشرية، أصرّت الوزارة بشدة على أن الأمر لم يكن سوى "خلل مؤقت في البيانات".
لكن اتضح أن تلك لم تكن القصة الكاملة؛ بل إنها مجرد حلقة جديدة في سلسلة تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفوضوي -وغالباً ما يتسم باللامبالاة- مع ملف الوفيات في صفوف الجيش.
ولم تقتصر المسألة على إعادة تصنيف حالات الوفاة تلك بطريقة تخدم مصالح الإدارة وتناسب أهدافها السياسية -إذ تجعل إجمالي عدد القتلى الناجمين عن حرب ترامب على إيران يبدو أقل عدداً، وتدعم مزاعمه بشأن صلاحياته في شن الحرب- بل تبين أيضاً أن حالات الوفاة هذه صُنفت بـ3 طرق مختلفة على موقع "البنتاغون" خلال الأسبوع الماضي وحده.
حالات الوفاة أُعيد تصنيفها
عادت حالات الوفاة الأربع فجأة لتظهر في "نظام تحليل خسائر الدفاع" (DCAS) التابع لـ"البنتاغون" خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ولكن بدلاً من إضافتها مجدداً تحت بند عملية "الغضب الملحمي"وهي المهمة المتعلقة بحرب إيران، وهو ما كان متوقعاً لو كان الأمر مجرد خلل تقني في البيانات- أُضيفت الحالات إلى فئة جديدة تماماً على الموقع تحمل اسماً عاماً وفضفاضاً هو: "العمليات الخارجية"، كما سجلت الوزارة في النظام نفسه، وضمن ذلك التحديث، إصابة أكثر من 140 جندياً إضافياً.
وتُعرّف هذه الفئة المستحدثة بأنها تشمل "الخسائر البشرية التي وقعت اعتباراً من 7 يوليو/ تموز"، وهو التاريخ الذي زعمت الإدارة أنها بدأت فيه صراعاً جديداً مع إيران.
ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي يغير فيها موقع "البنتاغون" طريقة تصنيف حالات الوفاة هذه، ففي بيان صدر في وقت مبكر من الأسبوع الماضي، أعلن البنتاغون عن مقتل اثنين من الجنود الأربعة، مشيراً إلى أنهما "كانا يدعمان عملية العزم الصلب".
يُذكر أن "عملية العزم الصلب" هي المهمة التي انطلقت عام 2014 بهدف هزيمة تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، إلا أن الجنود المعنيين قُتلوا جراء هجمات إيرانية.
وسرعان ما تغيرت الصياغة لتشير إلى أن الجنود القتلى "كانوا يدعمون عمليات خارجية في الأردن".
لماذا تُعد هذه التغييرات "ملائمة" لترامب؟
بعبارة أخرى، ارتبطت أسماء هؤلاء الجنود الآن -على موقع "البنتاغون" الإلكتروني- بثلاث عمليات مختلفة؛ ومن الجدير بالذكر أن اثنتين منها تتيحان للإدارة الادعاء بأن الضحايا لم يسقطوا في إطار "عملية الغضب الملحمي".
ورغم عدم وضوح السبب الدقيق وراء هذا الإجراء، فمن الواضح أنه يخدم مصالح الإدارة سياسياً وقانونياً بعدة طرق.
أولاً، قد يتيح ذلك لترامب -نظرياً- الادعاء بأن عدد القتلى الأمريكيين في الحرب على إيران كان أقل.
ففي الأسبوع الماضي، واصل ترامب الإشارة إلى رقم 18 قتيلاً (وهو العدد الذي يشمل القتلى الأربعة الأخيرين) بدلاً من 14 قتيلاً.
ومع ذلك، فقد أوضح تماماً مدى قلقه بشأن التبعات السياسية لمقتل الجنود وحصيلة الضحايا؛ كما دأب على مهاجمة الرئيس آنذاك، جو بايدن، بسبب مقتل 13 جندياً أمريكياً خلال الانسحاب الفوضوي من أفغانستان.
أما السبب الثاني الذي يجعل هذا الأمر ملائماً لترامب، فهو أنه يعزز حجته القانونية التي يزعم فيها امتلاكه صلاحية مواصلة الحرب دون الحصول على موافقة الكونغرس المطلوبة.
ويمنح "قانون سلطات الحرب" الرؤساء مهلة تتراوح بين 60 و90 يوماً لشن عمل عسكري دون تفويض من الكونغرس.
وللتحايل على هذا الشرط، ادعت الإدارة أن الصراع الأول انتهى خلال فترة وقف إطلاق النار التي بدأت في إبريل/ نيسان، وأن صراعاً جديداً بدأ في 7 يوليو، وهي مناورة أثارت شكوك حتى بعض الجمهوريين.
وتكمن المشكلة في هذه الحجة إذا ما تم تصنيف حالات الوفاة الأربع الأخيرة على أنها وقعت ضمن "عملية الغضب الملحمي"، نظراً لأن تلك العملية تُعتبر منتهية فعلياً.
وعليه، لجأت الإدارة بدلاً من ذلك إلى الإيحاء بأن هؤلاء الجنود سقطوا في إطار عملية أخرى، سواء كانت عملية "العزم الصلب" أو ما يُعرف بـ "العمليات الخارجية".
تسييس مقتل الجنود... مرة أخرى
لكن من الصعب النظر إلى هذا الأمر إلا باعتباره تلاعباً حسابياً بأعداد الجنود القتلى.
فمن الناحية العملية والواقعية، قُتل هؤلاء الجنود الأربعة في سياق الحرب ذاتها التي قُتل فيها الجنود الأربعة عشر الأوائل؛ إذ لم يكن الأمر يتعدى وجود فترة هدوء في القتال دامت 3 أشهر، حاولت خلالها الإدارة والقادة الإيرانيون الحفاظ على اتفاقيتين لوقف إطلاق النار كانتا تفتقران إلى التماسك والاستقرار.
وتزداد الصورة سوءاً بالنظر إلى رد الفعل الأولي الغاضب من "البنتاغون"، التي زعمت أن إزالة بيانات هؤلاء الجنود القتلى لم تكن سوى "اضطرابات مؤقتة في البيانات".
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين عسكريين -لم تذكر أسماءهم- قولهم إن هذا التغيير كان متعمداً، رغم أنه لم يكن واضحاً آنذاك كيف تخطط البنتاغون" لإعادة تصنيف حالات الوفاة تلك.
إنها طريقة مريعة للتعامل مع أمر بالغ الخطورة والحساسية مثل مقتل الجنود؛ فهذه أمور ينبغي الحرص على معالجتها بشكل صحيح منذ البداية.
لكن هذا السلوك ينسجم أيضاً مع النهج المعتاد لترامب وإدارته، فعلى مدى سنوات، واجه ترامب صعوبة في الحديث بتعاطف عن العسكريين القتلى والمصابين؛ ويشمل ذلك تصريحاته التي استشهد بها السيناتور الراحل جون ماكين، ووصفه إياهم بـ"المغفلين" و"الخاسرين"، والتقليل من شأن إصابات الدماغ الرضية، وصولاً إلى تعليقاته غير اللائقة حول الجوائز الممنوحة للجنود الجرحى وقوات الناتو الذين خدموا في أفغانستان.
لقد منحت التوترات مع إيران ترامب سبباً إضافياً للحديث عن هذا الموضوع، ومن الواضح أنه لا يزال يجد صعوبة في التعامل معه؛ إذ أدلى كل من ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث بتعليقات محرجة بشأن مقتل جنود في مارس/آذار.
وعلاوة على ذلك، دأب ترامب بشكل متزايد على مقارنة حصيلة القتلى المنخفضة نسبياً حتى الآن بتلك المسجلة في حروب حديثة أخرى، بل وادعى أن الجنود القتلى وعائلاتهم جميعاً أيدوا جهوده المتعلقة بالمواجهة مع إيران، وذلك رغم تصريح أحد أفراد العائلة بما يخالف ذلك تماماً.
غير أن القليل من الأمور تحظى بقدسية لدى ترامب؛ ولذا - شأنها شأن كل شيء آخر - سرعان ما تحولت قضية مقتل الجنود إلى جزء من حسابات سياسية تخضع للتوظيف والتلاعب بما يخدم مصالحه.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" cnnarabic "













0 تعليق