تحولت رحلة بحث عن كنز مزعوم داخل منزل قديم بمنطقة العزبة البحرية في حلوان إلى واحدة من أكثر الوقائع مأساوية خلال الفترة الأخيرة، بعدما انتهت أعمال تنقيب غير مشروعة استمرت قرابة سبعة أشهر بوفاة عاملين داخل حفرة بلغ عمقها نحو 15 مترًا، بينما يواجه المشاركون في الحفر اتهامات جنائية، وتواصل النيابة العامة تحقيقاتها لكشف جميع ملابسات القضية.
بلاغ يكشف الكارثة
بدأت تفاصيل الواقعة عندما تلقت الأجهزة الأمنية بقسم شرطة حلوان، في الساعات الأولى من صباح 23 يونيو 2026، بلاغًا يفيد بقيام عدد من الأشخاص بأعمال تنقيب عن الآثار داخل منزل رقم 74 بشارع عبد الشافي خليفة بمنطقة العزبة البحرية، مع وجود حالتي وفاة داخل حفرة الحفر.
وعلى الفور انتقلت قوة أمنية إلى مكان البلاغ، مدعومة بقوات الحماية المدنية، حيث كشفت المعاينة أن المنزل مكون من طابق أرضي واحد، وتبلغ مساحته نحو 40 مترًا، فيما تبين وجود حفرة دائرية ضيقة لا يتجاوز قطرها نصف متر تقريبًا، لكنها تمتد إلى عمق يقترب من 15 مترًا، في مشهد يعكس حجم أعمال الحفر التي استمرت لأشهر طويلة.
سبعة أشهر من التنقيب
وألقت الأجهزة الأمنية القبض على مصطفى محمد محمود شناوي، نجل مالكة المنزل، والذي اعترف خلال التحقيقات الأولية بأنه المسؤول عن أعمال الحفر داخل العقار، موضحًا أنه استعان بعدد من العمال مقابل مبالغ مالية للمشاركة في التنقيب.
وأكد المتهم أن أعمال الحفر بدأت منذ نحو سبعة أشهر، بمشاركة عدد من الأشخاص، من بينهم محمد أحمد علي، ومحمود حسن محمود، وآخرون، أملًا في العثور على آثار أو كنز مدفون أسفل المنزل.
وأشار إلى أن الحفرة كانت تمتلئ بالمياه باستمرار، الأمر الذي استلزم استخدام مواتير لشفط المياه حتى يتمكن العمال من مواصلة الحفر إلى أعماق أكبر.
لحظات النهاية داخل الحفرة
وبحسب أقوال المتهم، فإن الكارثة وقعت بعد صلاة العصر في اليوم السابق للإبلاغ، عندما نزل عاملان إلى قاع الحفرة لتشغيل مواتير شفط المياه، إلا أنهما تعرضا للاختناق نتيجة نقص الأكسجين أو تراكم الغازات داخل الحفرة العميقة، وفارقا الحياة في مكانهما قبل أن يتمكن أحد من إنقاذهما.
واعترف المتهم بمسؤوليته عن أعمال الحفر، وقال أمام رجال الشرطة: "أنا غلطان".
مهمة شاقة لاستخراج الجثمانين
ظلت جثتا العاملين داخل الحفرة حتى وصول قوات الإنقاذ البري التابعة للحماية المدنية، والتي واجهت صعوبة كبيرة في استخراج الجثمانين بسبب ضيق فتحة الحفر وعمقها الكبير، فيما فرضت الأجهزة الأمنية حراسة على المنزل لحين انتهاء النيابة العامة من المعاينة وإجراء التحقيقات.
هوية أحد الضحيتين
وتمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد هوية أحد المتوفين، بعد حضور شقيقه أحمد جمال محمود محمد، الذي أكد أن الضحية يدعى محمد جمال محمد محمد، ويبلغ من العمر 35 عامًا، ويقيم بقرية الغمارة التابعة لمركز الصف بمحافظة الجيزة، ويعمل عاملًا.
وأوضح أن شقيقه كان يعمل مع أحد المتهمين، الذي استعان به للمشاركة في أعمال الحفر داخل المنزل.
أما الضحية الثاني، فقد أشارت أقوال المتهمين إلى أن اسمه "سعد" ومن أبناء محافظة سوهاج، بينما واصلت الأجهزة الأمنية جهودها لاستكمال بياناته الرسمية وتحديد هويته كاملة.
اعترافات متطابقة
وخلال التحقيقات، جاءت أقوال باقي المتهمين متطابقة إلى حد كبير مع رواية المتهم الرئيسي.
فقد أكد محمد أحمد علي أن أعمال الحفر استمرت قرابة سبعة أشهر، وأن العاملين توفيا عقب نزولهما إلى الحفرة لتشغيل مواتير المياه، معترفًا بمشاركته في أعمال التنقيب، ومرددًا هو الآخر: "أنا غلطان".
كما أقر العامل محمود حسن محمود بمشاركته في أعمال الحفر، مؤكدًا أن المنزل مملوك لوالدة المتهم الرئيسي، وأنها لم تكن موجودة أثناء تنفيذ أعمال التنقيب.
هل كانت مالكة المنزل تعلم؟
وكشفت التحقيقات أن مالكة المنزل كانت تقيم لدى إحدى بناتها في منطقة أخرى بحلوان خلال الفترة الأخيرة، بينما أكد نجلها أنها لا تعلم شيئًا عن أعمال الحفر التي كانت تجرى داخل منزلها.
وتواصل النيابة العامة فحص هذه الأقوال، للوقوف على مدى علم المالكة بما جرى داخل العقار طوال الأشهر الماضية.
رأي الدفاع
من جانبه، قال وليد موسى، محامي المتهمين، إن القضية لا تزال قيد التحقيق أمام النيابة العامة، وإن الدفاع يتمسك بحق جميع المتهمين في محاكمة عادلة، مؤكدًا أن تحديد المسؤوليات الجنائية يجب أن يستند إلى ما تنتهي إليه التحقيقات والأدلة الفنية وتقارير الجهات المختصة.
وأضاف موسى أن التحقيقات وحدها هي التي ستحدد ملابسات الواقعة ودور كل متهم على حدة، مشيرًا إلى أن الدفاع سيعرض دفوعه القانونية في الوقت المناسب وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات وإجراءات النيابة العامة.
التنقيب غير المشروع.. مخاطرة تنتهي بالموت
وتسلط هذه الواقعة الضوء مجددًا على المخاطر الجسيمة المرتبطة بالتنقيب غير المشروع عن الآثار، فإلى جانب كونه جريمة يعاقب عليها القانون لما تمثله من اعتداء على التراث الحضاري، فإنه يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة المشاركين فيه، خاصة مع تنفيذ أعمال الحفر داخل منازل قديمة وبوسائل بدائية، ودون أي اشتراطات هندسية أو إجراءات للسلامة.
ويؤكد مختصون أن الحفر إلى أعماق كبيرة قد يؤدي إلى نقص الأكسجين، أو تراكم الغازات السامة، أو انهيار جوانب الحفرة، فضلًا عن احتمالات تصدع العقارات المجاورة، وهو ما يجعل مثل هذه الوقائع تحمل أبعادًا إنسانية وأمنية خطيرة.
النيابة تواصل التحقيق
وتباشر النيابة العامة التحقيق في الواقعة، حيث كلفت أجهزة البحث الجنائي باستكمال التحريات وضبط باقي المشاركين الذين وردت أسماؤهم في اعترافات المتهمين، إلى جانب استكمال تحديد هوية جميع من شاركوا في أعمال الحفر خلال الأشهر الماضية.
كما تنتظر جهات التحقيق التقارير الفنية الخاصة بالحماية المدنية والطب الشرعي، لبيان السبب النهائي للوفاة، ومعاينة الحفرة، والتأكد مما إذا كانت أعمال الحفر قد أسفرت عن العثور على أي شواهد أثرية من عدمه.
وتبقى الواقعة واحدة من أكثر الحوادث إيلامًا التي شهدتها حلوان خلال الفترة الأخيرة، بعدما تحول حلم الثراء السريع إلى مأساة إنسانية انتهت بفقدان عاملين حياتهما داخل حفرة عميقة، بينما لا تزال التحقيقات مستمرة لكشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات القانونية لكل من شارك في تلك الأعمال.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "










0 تعليق