في تاريخ الأمم رجال لا تُقاس مكانتهم بعدد المناصب التي شغلوها بل بما تركوه من أثر في الإنسان والمجتمع. ومن هذا الطراز يأتي الشيخ عطية بن محمد أبو رياح - رحمه الله - الذي يُعد أحد أبرز رجال جيل التأسيس في السعودية، وأحد الوجوه التي أسهمت في صناعة التحول التعليمي والدعوي في المنطقة الجنوبية خلال العقود الأولى من مسيرة الدولة الحديثة.
في زمن كانت المدارس فيه تُفتح على أيدي رجال يحملون رسالة قبل أن يؤدوا وظيفة، كان الشيخ عطية من أوائل التربويين الذين شاركوا في تأسيس المدارس ونشر التعليم في جنوب المملكة وأسهم في بناء اللبنات الأولى للحركة التعليمية في وقت كانت فيه البلاد تخوض مشروعها الوطني الكبير لنشر العلم. لم يكن دوره مقتصراً على التعليم داخل الفصول الدراسية بل امتد إلى صناعة بيئة تربوية غرست قيم الانتماء والانضباط والاعتزاز بالدين والوطن، وأسهمت في إعداد أجيال حملت مسؤولياتها في مختلف مواقع العمل.
وعلى امتداد هذه المسيرة، ظل الشيخ عطية يرى أن العلم والدعوة جناحان لا ينفصل أحدهما عن الآخر فكان من أوائل الدعاة الذين نشروا منهج الوسطية والاعتدال في مناطق الباحة وعسير ونجران، داعياً إلى التمسك بالقيم الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة، ومقدماً نموذجاً للداعية الذي يجمع بين العلم والرفق وفهم الواقع. وقد أسهم في ترسيخ خطاب دعوي اتسم بالاتزان وعزز قيم التعايش والتسامح وأسهم في حماية المجتمع من الغلو والتطرف، وهي رسالة ازدادت قيمتها مع تعاقب السنين.
ويُسجِّل له التاريخ أنه كان أول مدير لمكتب الدعوة والإرشاد في منطقة الباحة عند تأسيسه، حيث وضع الأسس التنظيمية للعمل الدعوي وأشرف على إطلاق برامجه الأولى وأسهم في تحويل المكتب إلى منارة علمية وتوعوية امتد أثرها إلى مختلف محافظات المنطقة، ولا تزال ثمار ذلك العمل حاضرة حتى اليوم.
ولأن القيادة الرشيدة كانت تدرك قيمة الكفاءات الوطنية المخلصة، فقد حظي الشيخ عطية بثقة المسؤولين، فمُددت خدمته بعد بلوغه سن التقاعد في تقدير يعكس ما عُرف عنه من كفاءة ونزاهة وإخلاص ورغبة في استمرار الاستفادة من خبراته المتراكمة.
كما كان - رحمه الله - حاضراً في ميدان الإصلاح الاجتماعي فأسهم في إصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر واحتواء الخلافات حتى غدا اسمه مقترناً بالحكمة وموضع ثقة لدى مختلف فئات المجتمع، إدراكاً لما عُرف عنه من عدل ورجاحة عقل وحرص على جمع الكلمة.
إن الحديث عن الشيخ عطية بن محمد أبورياح هو حديث عن جيلٍ حمل مسؤولية البناء في أصعب المراحل، وآمن بأن النهضة تبدأ من المدرسة وتترسخ بالدعوة المعتدلة وتكتمل بإصلاح المجتمع. لذلك يبقى اسمه واحداً من الأسماء التي تستحق أن تُستعاد في ذاكرة الوطن وفاءً لرجل أسهم في تأسيس التعليم وترسيخ الوسطية وبناء الإنسان، تاركاً إرثاً علمياً وتربوياً ودعوياً سيظل شاهداً على حياةٍ كرّسها للعطاء.
رحم الله الشيخ عطية بن محمد أبورياح وجعل ما قدّمه لدينه ووطنه وأبنائه من العلم والدعوة والإصلاح في موازين حسناته، وأبقى سيرته مثالاً يُحتذى في الإخلاص والعمل والبناء.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "




0 تعليق