ملاحقة فادي صقر: من قيادة الميليشيات إلى مقصلة العدالة الانتقالية في سوريا
تشهد الساحة السورية تحولات دراماتيكية في ملف العدالة والمحاسبة، حيث بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024. وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز قضية فادي صقر، القائد السابق لميليشيا "قوات الدفاع الوطني" في دمشق، كاختبار حقيقي لقدرة الحكومة الانتقالية على الموازنة بين الاستقرار السياسي وتحقيق العدالة للضحايا. يتساءل الكثيرون اليوم حول الجدوى من إشراك شخصيات ارتبطت بانتهاكات جسيمة في هيكلية السلطة الجديدة، وضمن هذا السياق يبرز تساؤل جوهري حول من هو فادي صقر؟ الذي بات اسمه يتصدر التحقيقات الدولية والمحلية، لا سيما بعد تقرير صحيفة الغارديان الأخير الذي كشف عن تحركات قضائية لملاحقته بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
مجزرة التضامن: الجرح الذي لم يندمل
تعتبر مجزرة التضامن التي وقعت عام 2013 واحدة من أبشع الفظائع التي تم توثيقها بالصوت والصورة خلال سنوات الحرب. المقاطع المسربة التي ظهر فيها أمجد يوسف وهو يعدم المدنيين بدم بارد لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل كانت دليلاً على منهجية القتل التي اتبعتها المجموعات المسلحة الرديفة للنظام. ومع تطور التحقيقات، بدأ الربط يتضح بين المنفذين الميدانيين وبين القيادات العليا في دمشق، وعلى رأسهم فادي صقر.
تشير التقارير الحقوقية وشهادات الناجين إلى أن صقر، بصفته قائداً لقوات الدفاع الوطني في العاصمة، كان يمتلك سلطة القرار والرقابة على العمليات التي تجري في أحياء جنوب دمشق. ورغم محاولاته التنصل من المسؤولية عبر الادعاء بأنه تولى منصبه بعد تاريخ تسجيل بعض تلك المقاطع، إلا أن الأدلة الجديدة التي اطلعت عليها "الغارديان" تشير إلى استمرار الانتهاكات تحت قيادته المباشرة في فترات لاحقة من عام 2013 وما بعده.
معضلة الحكومة الانتقالية: الاستقرار مقابل المحاسبة
تواجه الحكومة الانتقالية في سوريا ضغوطاً هائلة من الشارع السوري ومنظمات المجتمع المدني. فمن جهة، هناك رغبة في إنهاء حالة النزاع المسلح وضمان عدم انزلاق البلاد إلى حرب أهلية طائفية، مما دفع بعض الدوائر الحكومية للاستعانة بشخصيات مثل صقر لفتح قنوات اتصال مع فلول النظام السابق. ومن جهة أخرى، يرى الضحايا في هذا التعاون خيانة لدماء القتلى وإفلاتاً من العقاب يهدد مستقبل السلم الأهلي.
تعتبر المستشارة في وزارة الخارجية السورية، زهرة البرازي، أن الإبقاء على صقر ضمن دوائر التأثير لم يعد مجدياً سياسياً. فالتكلفة الشعبية والأخلاقية لبقائه تفوق بكثير أي مكاسب أمنية مؤقتة قد يحققها. إن التحول من مرحلة "الاستفادة" من هذه الشخصيات إلى مرحلة "المحاسبة" يعكس نضجاً في مسار العدالة الانتقالية، وتأكيداً على مبدأ أن "لا أحد فوق القانون".
المسار القضائي والأدلة الجنائية
تعمل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية حالياً على بناء ملف قانوني متكامل ضد فادي صقر. وتعتمد هذه العملية على عدة ركائز أساسية:
-
إفادات الشهود والناجين: جمع شهادات من أشخاص عاينوا الانتهاكات في حي التضامن ومناطق دمشق الأخرى.
-
المقاطع المصورة المسربة: تحليل الفيديوهات التي وثقت الإعدامات الميدانية وربط التوقيت الزمني بسلسلة القيادة العسكرية.
-
اعترافات الموقوفين: ساعد اعتقال أمجد يوسف في كشف خيوط جديدة حول كيفية إصدار الأوامر وتوزيع الأدوار بين الميليشيات.
-
التعاون الدولي: التنسيق مع منظمات دولية وباحثين متخصصين في جرائم الإبادة الجماعية، مثل أوغور أوميت أونغور، لتوثيق الطابع المنهجي للجرائم.
إن متابعة أخبار السياسة في سوريا اليوم توضح أن ملف صقر ليس مجرد قضية جنائية فردية، بل هو جزء من عملية تصفية لميراث طويل من القمع. فادي صقر، من جانبه، يصر على براءته ويؤكد ثقته في القضاء، معتبراً أن صمته كان بهدف عدم التأثير على سير التحقيقات. لكن الواقع على الأرض والوثائق القانونية المتراكمة تشير إلى عكس ذلك تماماً.
تحديات العدالة الانتقالية في سوريا
لا تقتصر التحديات على جمع الأدلة فحسب، بل تمتد لتشمل حماية الشهود وضمان استقلالية القضاء في ظل ظروف أمنية هشة. هناك مخاوف حقيقية من أن تؤدي ملاحقة قادة الميليشيات السابقين إلى ردود فعل انتقامية من قبل شبكاتهم التي لا تزال تمتلك بعض القوة على الأرض. ومع ذلك، يجمع الخبراء على أن التغاضي عن هذه الجرائم سيؤدي حتماً إلى دورات جديدة من العنف.
تحقيق العدالة يتطلب صبراً ونفساً طويلاً، وما تقوم به لجنة العدالة الانتقالية اليوم بالتعاون مع الضحايا هو حجر الأساس لبناء دولة القانون. إن ملاحقة فادي صقر ترسل رسالة واضحة لكل من تورط في دماء السوريين بأن الزمن لا يسقط الجرائم ضد الإنسانية، وأن المناصب السياسية الجديدة لن تكون حصناً منيعاً ضد المحاسبة.
دور الإعلام والمجتمع الدولي
لعبت صحيفة "الغارديان" والمنظمات الحقوقية دوراً محورياً في تسليط الضوء على هذه القضية. فلولا التحقيقات الاستقصائية التي نشرت عام 2022، لربما ظلت مجزرة التضامن طي النسيان. اليوم، يراقب المجتمع الدولي عن كثب كيف ستتعامل السلطات السورية الجديدة مع هذا الملف. هل سيكون القضاء قادراً على إصدار أحكام رادعة؟ وهل ستنجح الحكومة في تفكيك "هياكل السلطة القديمة" التي حاول أمثال صقر التسلل من خلالها؟
إن الشفافية في عرض نتائج التحقيقات وإشراك عائلات الضحايا في مسار المحاكمات هي الضمانة الوحيدة لترميم النسيج الاجتماعي الممزق. العدالة ليست مجرد انتقام، بل هي عملية اعتراف بالحقائق وتحديد للمسؤوليات، وهي الخطوة الأولى نحو مصالحة وطنية حقيقية لا تقوم على عفا الله عما سلف، بل على الحق والإنصاف.
رؤية مستقبلية
في نهاية المطاف، يبقى ملف فادي صقر رمزاً للصراع بين إرث الماضي وتطلعات المستقبل. إن قدرة القضاء السوري على التعامل مع هذا الملف بمهنية واستقلالية ستحدد شكل الدولة القادمة. فإما أن تكون دولة مؤسسات تحترم حقوق الإنسان، أو دولة تستمر فيها المساومات السياسية على حساب العدالة. الشارع السوري، الذي دفع ثمناً باهظاً من حريته ودمائه، لن يقبل بأقل من محاسبة كاملة وشاملة لكل من تلطخت يداه بالدماء، مهما كان دوره الحالي أو تحالفاته السياسية.
المؤشرات الحالية، بما في ذلك تصريحات المسؤولين في لجنة العدالة الانتقالية، توحي بأن هناك إرادة سياسية لطي صفحة الإفلات من العقاب. ومع تقدم التحقيقات، يتوقع أن تظهر المزيد من الأسماء والحقائق التي قد تزلزل المشهد السياسي السوري وتؤدي إلى تطهير مؤسسات الدولة من بقايا الحقبة الماضية التي اتسمت بالعنف المفرط وتغييب القانون.
خاتمة
يمثل التحرك القضائي ضد فادي صقر نقطة تحول جوهرية في مسار الثورة السورية التي تحولت إلى صراع مرير، ثم إلى مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر. إن إنصاف ضحايا مجزرة التضامن ليس مجرد مطلب حقوقي، بل هو ضرورة وطنية لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي. ومع استمرار جمع الأدلة وتزايد الضغط الشعبي والدولي، يبدو أن الوقت قد حان ليواجه صقر وغيره من القادة الميدانيين مصيرهم أمام منصة القضاء، لتكون سوريا أمام فرصة تاريخية لإرساء قواعد العدالة التي طال انتظارها، بعيداً عن منطق التسويات الأمنية التي لا تخدم سوى منتهكي الحقوق. إن معركة العدالة في سوريا قد بدأت للتو، وقضية صقر هي الاختبار الأول والأصعب في هذا الطريق الطويل.










0 تعليق